لا تزال السياسة الإسبانية تجاه مستعمراتها السابقة تثير كثيراً من علامات الاستفهام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف منح الجنسية الإسبانية.
فبينما اتجهت مدريد إلى تسهيل حصول فئات من الصحراويين على الجنسية الإسبانية استناداً إلى روابط تاريخية وقانونية تعود إلى فترة الاستعمار، ظل أبناء إقليم سيدي إفني، وخاصة قبائل آيت باعمران، خارج هذا الامتياز، رغم أنهم عاشوا التجربة الاستعمارية نفسها، بل دفعوا ثمناً أكبر في مقاومة الاحتلال الإسباني.
هذا التباين يطرح سؤالاً مشروعاً: على أي أساس تُمنح الجنسية لفئة وتُحرم منها أخرى؟ وإذا كانت الحجة هي الإرث الاستعماري، فإن سيدي إفني كانت بدورها خاضعة للإدارة الإسبانية لعقود، وسكانها كانوا يحملون وثائق وهوية إدارية إسبانية قبل استرجاع الإقليم إلى السيادة المغربية سنة 1969.
غير أن ما يميز الباعمرانيين هو أنهم لم يقبلوا بالمشاريع السياسية التي حاولت إسبانيا فرضها آنذاك، ورفضوا أي صيغة تُبقي الإقليم تحت النفوذ الإسباني، واختاروا طريق المقاومة المسلحة حتى استعادة الأرض.
وقد خاضوا معارك تاريخية سقط فيها شهداء، في موقف وطني حاسم أنهى الوجود الاستعماري الإسباني بالإقليم.
في المقابل، يرى عدد من المتابعين أن إسبانيا ما تزال تعتمد سياسة انتقائية في التعامل مع إرثها الاستعماري، تمنح الامتيازات حيث تخدم مصالحها السياسية، وتحجبها عندما لا تحقق لها أي مكسب استراتيجي.
وهي مقاربة تجعل ملف الجنسية يتجاوز البعد الإنساني أو القانوني، ليصبح أداة ذات أبعاد سياسية وجيوسياسية.
ولا يمكن إغفال أن ملف الصحراء يظل حاضراً بقوة في الحسابات الإسبانية، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى اعتبار منح الجنسية لبعض الصحراويين جزءاً من سياسة الحفاظ على روابط قانونية ورمزية مع الإقليم، بما يضمن استمرار هامش من التأثير في قضية ما تزال تحظى باهتمام دولي.
وفي المقابل، لم يحظ أبناء سيدي إفني بالمعاملة نفسها، رغم تاريخهم النضالي ومقاومتهم للاستعمار، وهو ما يثير شعوراً بوجود ازدواجية في المعايير، ويغذي تساؤلات حول مدى انسجام السياسة الإسبانية مع مبادئ المساواة والعدالة التاريخية.
ويبقى الفصل في هذه المسألة رهيناً بتوضيح رسمي من مدريد للأسس القانونية التي تعتمدها في منح الجنسية، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو انتقائية.
فالتاريخ لا يُقرأ بمنطق المصالح المتغيرة، بل بمنطق الإنصاف واحترام الوقائع، وإلا فإن سياسة الكيل بمكيالين ستظل تلاحق الذاكرة الاستعمارية الإسبانية، وتغذي الشكوك حول استمرار توظيف الماضي لخدمة حسابات الحاضر.