المستجدات الدولية

من القطيعة إلى المصالح الجزائر ومالي تطويان صفحة الأزمة وتفتحان باب الحسابات الاستراتيجية

بقلم/ سيداتي بيدا/ جريدة التحدي الافريقي

بعد أربعة عشر شهراً من التوتر السياسي والأمني الذي خيّم على العلاقات الجزائرية-المالية، اختارت الجزائر ومالي طي صفحة القطيعة الدبلوماسية والانتقال إلى مرحلة جديدة تحكمها اعتبارات الأمن والمصالح المشتركة، في خطوة تعكس تحولات عميقة تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، حيث أصبحت البراغماتية السياسية تتقدم على منطق التصعيد.
وشهد شهر يوليوز 2026 الإعلان الرسمي عن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، عبر سلسلة من الإجراءات المتبادلة، أبرزها إعادة السفراء إلى مقري عملهما في الجزائر العاصمة وباماكو، إلى جانب استئناف حركة الطيران المدني والعسكري وفتح المجالين الجويين بشكل كامل، بما يعيد قنوات التواصل الرسمية بعد أزمة غير مسبوقة بين الجارين.
وجاء القرار الجزائري بتوجيه من الرئيس عبد المجيد تبون بإعادة السفير كمال رتيب إلى مالي، بالتزامن مع إعلان السلطات الانتقالية المالية إعادة سفيرها إلى الجزائر، في رسالة سياسية واضحة تؤكد رغبة الطرفين في تجاوز مرحلة التوتر وإعادة بناء جسور الثقة، ولو بصورة تدريجية.
وتعود جذور الأزمة إلى ربيع عام 2025، عندما بلغت الخلافات السياسية والأمنية ذروتها إثر إسقاط الجزائر طائرة مسيرة عسكرية تابعة للجيش المالي، وهو الحادث الذي فجّر أزمة دبلوماسية حادة انتهت باستدعاء السفراء وتعليق التعاون وإغلاق الأجواء بين البلدين، وسط تصاعد التوترات الأمنية في منطقة الساحل.
غير أن المشهد الإقليمي تغير بصورة لافتة خلال الأشهر الأخيرة، مع تنامي التحديات الأمنية وتزايد نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود، ما دفع العاصمتين إلى مراجعة حساباتهما الاستراتيجية، وإدراك أن استمرار القطيعة لم يعد يخدم استقرار المنطقة ولا المصالح المشتركة.
ورغم أهمية الخطوات المعلنة، فإن عدداً من المراقبين يرون أن استئناف العلاقات لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات العميقة بين الطرفين، بل يمثل إدارة سياسية واقعية لمرحلة دقيقة تفرضها ضرورات الأمن الإقليمي والتنسيق الحدودي، أكثر مما تعكس مصالحة كاملة أو توافقاً شاملاً في الرؤى.
ويؤكد هذا التطور أن منطقة الساحل أصبحت مسرحاً لإعادة رسم التحالفات وفق معادلات جديدة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والعسكرية مع الحسابات الجيوسياسية، في ظل تنافس إقليمي ودولي متزايد على النفوذ داخل واحدة من أكثر المناطق هشاشة في القارة الإفريقية.
وبين من يعتبر الخطوة بداية لمرحلة جديدة من التعاون، ومن يراها هدنة فرضتها الضرورات لا القناعات، يبقى المؤكد أن استعادة العلاقات بين الجزائر ومالي تمثل تحولات سياسيا بارزا، قد يسهم في تهدئة جزء من التوتر الذي اثقل كاهل منطقة الساحل لكنه في الوقت ذاته يضع الطرفين امام اختيار حقيقي لترجمة النوايا الى شراكة مستقرة وقادرة على الصمود امام تحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى