ستبقى مدينة الرغيف الأسود جرادة ، مدينةً لرجال استثنائيين حملوا على أكتافهم لعقود طويلة عبء استخراج الفحم من أعماق الأرض. رجال جاؤوا من مختلف ربوع المملكة، من سوس والريف ودكالة والشاوية والأطلس والجنوب الشرقي، فالتقوا جميعاً في مناجم جرادة ليكتبوا بعرقهم وتضحياتهم واحدة من أهم الصفحات الاجتماعية والاقتصادية في تاريخ المغرب الحديث.
ومن قلب جرادة، أ وجه تحية إجلال وتقدير إلى كل عمال مفاحم المغرب الذين مروا بهذه المدينة وعملوا في مناجمها أو في مختلف المواقع المنجمية بها . تحية يبعثها ابن عامل بسيط جاء من منطقة سوس بحثاً عن لقمة العيش، فاستقر بجرادة، وأنجب أبناءه فيها، وعاش بين أهلها، ثم رحل إلى جوار ربه ليوارى الثرى بمقبرة الروس، شاهداً على جيل كامل اختار أن يجعل من هذه المدينة وطناً ومصيراً.
هؤلاء الرجال لم يكونوا مجرد عمال يبحثون عن أجور نهاية الشهر، بل كانوا جنوداً مجهولين في معركة يومية مع الظلام والغبار والخطر. كانوا ينزلون إلى باطن الأرض وهم يدركون أن كل يوم عمل قد يكون مواجهة جديدة مع الموت أو المرض أو الحوادث. ورغم ذلك واصلوا العمل بصمت وشرف، ليؤمنوا قوت أسرهم ويساهموا في بناء اقتصاد وطن بأكمله.
وتزداد مشاعر التقدير حين نتذكر أولئك العمال الذين ما زالوا إلى اليوم يعانون من مرض السيليكوز، ذلك المرض الصامت الذي سرق منهم أنفاسهم بعد سنوات طويلة من استنشاق غبار المناجم.
أجساد أنهكها العمل، ورئات دفعت ثمن الفحم الذي أضاء البيوت وشغّل المصانع. إنهم أحياء يحملون داخل صدورهم شهادة مؤلمة على مرحلة من تاريخ الشقاء والعمل والتضحية.
لكن الصدمة الكبرى لا تكمن فقط في معاناة العمال، بل في الطريقة التي جرى بها التعامل مع ذاكرتهم الجماعية. فبينما تحرص أمم كثيرة على تخليد عمالها وروادها ومواقعها الصناعية في متاحف ومراكز للذاكرة، تعرض جزء مهم من ذاكرة جرادة المنجمية للإهمال والضياع، بل وللنهب أمام مرأى ومسمع من تعاقبوا على تدبير الشأن المحلي.
وكأن تاريخ آلاف العمال وعائلاتهم أصبح تفصيلاً هامشياً لا يستحق الحماية أو التوثيق.
رحم الله جميع عمال المناجم الذين غادرونا إلى دار البقاء، وأطال الله عمر الأحياء منهم، والشفاء للمرضى الذين ما زالوا يقاومون آثار سنوات العمل القاسي. وستظل أسماؤهم محفورة في وجدان جرادة، مهما حاول النسيان أن يطمسها.
فأنتم لم تكونوا مجرد عمال مناجم… بل كنتم رجالاً عظماء دفنتم جزءاً من أعماركم تحت الأرض، لتبقى جرادة واقفة فوقها.