أحزاب وسياية

حراك التزكيات بخنيفرة.. الأحزاب تستبق زمن 23 شتنبر برسم خطوط المواجهة

جمال بوتحازم/ التحدي الإفريقي

 

​في عمق الأطلس المتوسط، حيث تلتقي وعورة الجبال بعمق الولاءات القبلية، تستعد رقعة الشطرنج السياسي بإقليم خنيفرة لاستحقاق حارق، مع دخول العد التنازلي للاقتراع التشريعي المرتقب في 23 شتنبر 2026 .

وما بين انشغالات التنمية المؤجلة ورهانات التمثيل، بدأت الأحزاب في وضع اللمسات الأخيرة على تزكياتها، في خطوة استباقية قرأها متتبعو الشأن المحلي كرغبة في تحصين القواعد وكسب الوقت، وقطع الطريق أمام مفاجآت “الترحال السياسي” التي أفرزتها استحقاقات سابقة.

​تأتي هذه التحركات في ظرفية إقليمية استثنائية، تتقاطع فيها الحسابات القبلية بملف التنمية العالق ، وسط حالة ترقب تسود أوساط الناخبين ، جعلت من نيل التزكية الحزبية مجرد خطوة أولى في مسار شاق نحو كسب ثقة الوعاء الانتخابي الزياني.

​خارطة التزكيات: خماسي يتقاسم نفوذ “الميدان والجغرافيا”
​وفق المعطيات الميدانية التي رصدتها التحدي الإفريقي في كواليس الأنشطة الحزبية بالإقليم، تتجه الخارطة نحو حسم خمسة ترشيحات بارزة تمثل ثقلاً انتخابياً وازناً، لكل منها خصوصيته وحساباته:

​حزب التجمع الوطني للأحرار (تجديد الرهان و الجمع بين المناصب ): إتجه “الأحرار” نحو تزكية المهندس محمد بادو، رئيس سابق لجماعة أجلموس لولايتين متتاليتين ونائب برلماني حالياً . الحزب يراهن بوضوح على امتداده سعياً لترجمة الهيكلة التنظيمية إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع، وسط تنافس محتدم مع حلفاء الأمس.

​حزب الحركة الشعبية (الدفاع عن القلاع التاريخية): يدخل “الحركيون” المعركة عبر تزكية نبيل، في خطوة واضحة للحفاظ على الإرث الانتخابي التاريخي لـ”السنبلة” في الأطلس المتوسط . الرهان هنا يعتمد أساساً على شبكة العلاقات المحلية المتجذرة، والارتباط العضوي بالخزان الانتخابي القروي الذي ظل وفياً للحزب لعقود.

​حزب الاستقلال (خبرة التوازنات): يستعد “الميزان” للدفع بالبرلماني المتمرس صالح أوغبال، وهو اسم يمتلك تجربة تشريعية طويلة، وقدرة على إدارة التوازنات السياسية والقبلية المعقدة في الإقليم. الرجل يظل رقماً صعباً في أي معادلة انتخابية خنيفرية، غير أن تحديات التجديد الداخلي قد تلقي بظلالها على حظوظه.

​الحزب الديمقراطي الوطني (البحث عن اختراق شبابي): يبرز اسم عبد الحكيم عكور كمرشح يسعى عبره الحزب إلى تقديم بديل سياسي يغازل الفئات الصامتة والشباب، معتمداً خطاباً يركز على تجديد النخب وكسر النمطية التي طبعت التدبير المحلي لسنوات.

الطموح هنا اختراق جدار الأسماء التقليدية، وهي مهمة تبدو شاقة في بيئة تعوّدت على الوجوه السياسية المستقرة.

​حزب الديمقراطيين الجدد (طموح التموقع الجديد): يدخل الحزب غمار المنافسة مراهناً على تزكية محمد باجي، في خطوة تروم تقديم عرض سياسي مغاير بالإقليم، معتمداً على استثمار رصيده التواصلي والميداني لإنتاج قوة جذب انتخابية قادرة على بعثرة حسابات الهيئات التقليدية وخلق المفاجأة بالدائرة.

 

 

​دينامية المجال: أݣلموس ومريرت كمنصات للحسم الانتخابي
​لا يمكن قراءة المشهد السياسي بخنيفرة دون تفكيك جغرافيتها البشرية؛ فالإقليم يتميز بتداخل شديد بين “العصبية القبلية” والامتداد الحزبي، حيث تصنع الأسماء بقدر ما تصنعها الانتماءات الجهوية.

وتعتبر المراكز الحضرية والقروية مثل مريرت، و أݣلموس، منصات حاسمة لتوجيه بوصلة النتائج، إذ تشكل الكثافة الناخبة فيها مفتاحاً مهماً لترجيح كفة مرشح على آخر.

​إن تبكير الأحزاب في حسم التزكيات، وفق متابعين محليين، يظهر وعيها بأن تدبير دائرة شاسعة جغرافياً وصعبة تضاريسياً كدائرة خنيفرة، يتطلب زمناً كافياً لبناء التحالفات المحلية، وصياغة خطابات قادرة على تجميع الشتات القبلي خلف “الرمز الحزبي”، بعيداً عن التجاذبات الآنية.

​تحديات موضوعية تواجه الفاعلين السياسيين

​بعيداً عن لغة الأرقام والتزكيات، يلتقي المرشحون الخمسة أمام بؤرة تحديات حقيقية تفرضها الممارسات الميدانية والواقع المعيش للمواطن .

​سؤال الجدوى والمشاركة: تعيش فئات واسعة من الشباب الخنيفري حالة من “العزوف الصامت”، وهي معضلة تراكمية تتطلب من الفاعلين تجاوز الوعود الانتخابية التقليدية إلى برامج واقعية قابلة للقياس، وإلا بقيت الصناديق خير شاهد على الغضب الصامت.

​الملف التنموي الساخن: يبقى الترافع عن العدالة المجالية، فك العزلة عن المناطق الجبلية النائية، تشغيل الشباب، وحماية المجال الغابوي والسياحي للإقليم، هو المحك الحقيقي الذي يقيس من خلاله المواطن كفاءة نائبه البرلماني.

​تشتت الأصوات والعتبة: مع تعدد الأقطاب القوية، سيصبح الصراع على كسب “العتبة” الانتخابية معركة كسر عظم، حيث لن يسلم أي حزب من شظايا انقسام الأصوات داخل القبيلة الواحدة. وهو ما قد يفتح الباب لمفاجآت، أبرزها صعود قوى صاعدة أو مدعومة من خارج التحالفات التقليدية.

 

​إن معركة 23 شتنبر 2026، كما تبدو ملامحها الآن، لن تكون مجرد سباق نحو المقاعد، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الوجوه التقليدية على الصمود أمام رياح التغيير، ومدى جاهزية الوجوه والخيارات الجديدة لإحداث اختراق في جدار المشهد الزياني المُحصّن. والأكيد أن الصمت الانتخابي، قبل أن يبدأ رسمياً، يكاد يكون أنطق من أي خطاب انتخابي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى