🟠 تحقيق صحفي تحسيسي
جريدة التحدي الافريقي / بقلم ميرا
السعار في المغرب… حين يُحمَّل الكلب عبء الخطر بدل أن يُفهم دوره في الحماية.
في عدد من المدن والقرى المغربية، يعيش الكلب في منطقة رمادية بين الطبيعة والمجتمع. فهو الحيوان الذي يقترب من الإنسان أكثر من أي كائن بري آخر، ويشارك يومه معه في الأزقة، الحقول، وحوافّ المدن. وفي الوقت نفسه، هو أول من يواجه ما لا يراه الإنسان غالبًا: الحيوانات البرية التي قد تحمل فيروس السعار.
هذا الدور الوسيط يجعل الكلب، علميًا وبيئيًا، خط الدفاع الأول غير المقصود بين الخطر الطبيعي وبين الإنسان. فهو لا يعيش فقط قرب الإنسان، بل يدخل أحيانًا في مواجهة مباشرة مع أي حيوان غريب يقترب من المجال البشري، خصوصًا الثعالب وابن آوى وبعض الحيوانات البرية الأخرى التي قد تكون حاملة للفيروس.
في كثير من الحالات، لا يكون الكلب مجرد عابر في سلسلة العدوى، بل “حارسًا ميدانيًا” يتدخل بشكل غريزي للدفاع عن محيطه وعن الإنسان القريب منه. يدخل في عراك مع الحيوان الدخيل، يطرده أو يمنعه من الاقتراب، وهي سلوكيات حماية طبيعية ناتجة عن ارتباطه بالمجال البشري. لكن هذه المواجهة نفسها هي اللحظة التي قد يتعرض فيها لعضّة واحدة فقط كافية لنقل فيروس السعار.
السعار ليس مرضًا خاصًا بالكلاب، بل هو فيروس موجود في الطبيعة داخل دورة حيوانية تشمل بالأساس حيوانات برية مثل الثعالب وابن آوى وبعض الخفافيش. هذه الحيوانات تعيش غالبًا بعيدًا عن الإنسان، لكنها حين تقترب من التجمعات السكنية، تبدأ سلسلة انتقال غير مرئية للفيروس.
في هذه اللحظة تحديدًا، يتحول الكلب إلى نقطة التقاء بين الحماية والخطر: يحمي الإنسان من الاقتراب المباشر للحيوانات البرية، وفي الوقت نفسه يكون أول من يواجهها جسديًا. العضّة هنا ليست نتيجة عدوانية عشوائية، بل نتيجة تدخل دفاعي طبيعي من كلب يحاول صد خطر عن محيطه.
العضّة هي الطريقة الأساسية لانتقال الفيروس. حيوان بري مصاب يعض كلبًا أثناء الاشتباك، أو ينقل له لعابًا ملوثًا عبر الجروح. ومن هناك يبدأ الفيروس رحلته البطيئة داخل الجهاز العصبي نحو الدماغ، دون أن يظهر أي أثر فوري. خلال هذه الفترة، يبدو الكلب طبيعيًا، يعيش بين الناس، ويواصل سلوكه المعتاد، رغم أن العدوى تكون قد بدأت بالفعل.
في هذا السياق، يصبح الكلب ليس مصدرًا للمرض، بل ضحية لآلية دفاعه الطبيعية. فهو يؤدي سلوكًا غريزيًا مرتبطًا بالحماية وصدّ الخطر عن الإنسان، لكنه يدفع ثمن هذا الدور عند مواجهته لحيوان مصاب.
ومع ذلك، حين يُطرح ملف السعار في النقاش العام، غالبًا ما يُختزل المشهد في صورة واحدة: الكلب كخطر يجب التخلص منه. بينما يغيب عن هذا التصور أن الكلب في كثير من الحالات لم يكن بداية السلسلة، بل الحلقة التي تصدت لها أولًا.
في مناطق مختلفة من العالم، أثبتت التجارب العلمية أن الحل الأكثر فعالية للحد من السعار ليس الإبادة، بل التلقيح الواسع للكلاب، لأنها الحلقة الأقرب إلى الإنسان والأكثر عرضة للاحتكاك بالحيوانات البرية. عندما يتم تلقيح الكلاب بشكل شامل، تنكسر سلسلة انتقال الفيروس حتى لو ظل موجودًا في الحيوانات البرية.
لكن في غياب هذا النهج المتكامل، يبقى الكلب في وضع هش: قريب جدًا من الإنسان ليحميه، ومندفعًا غريزيًا لمواجهة الخطر عنه، وفي الوقت نفسه معرضًا لأن يُحمّل مسؤولية فيروس لم يكن هو مصدره الأول.
السعار في جوهره ليس قضية كلب أو ثعلب أو إنسان فقط، بل قضية شبكة حياة متداخلة، حيث تتقاطع الغريزة مع البيئة، والحماية مع الخطر، والفهم العلمي مع التصورات الاجتماعية.
وحين يُختزل هذا التعقيد في صورة واحدة، تضيع الحقيقة الأساسية: أن الكلب ليس فقط حلقة في سلسلة انتقال الفيروس، بل في كثير من الحالات، أول من واجه الخطر دفاعًا عن الإنسان… ودفع الثمن وحده.