جهات وعمالات

جرادة تستغيث: هل يتحول الحصول على رخصة البناء أمرا مستحيلا ؟

بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي 

 

في الوقت الذي تشهد فيه العديد من المدن المغربية طفرة عمرانية متسارعة ومشاريع تنموية كبرى تغير ملامحها سنة بعد أخرى، ما تزال مدينة جرادة تصارع واقعا مختلفا عنوانه الأبرز: التعقيدات الإدارية والقيود التي تحول دون حق المواطنين في إصلاح أو بناء مساكنهم.

 

فمن قلب الأحياء الشعبية والهامشية بالمدينة، ترتفع أصوات الجمعيات والفعاليات المدنية والساكنة في مناشدة قوية ومباشرة إلى وزير الداخلية من أجل التدخل العاجل لإعادة النظر في شروط وإجراءات الحصول على رخص البناء، بما يراعي خصوصية المدينة ووضعها الاجتماعي والاقتصادي الاستثنائي.

 

وتؤكد فعاليات محلية أن جرادة ليست مدينة عادية يمكن إسقاط نفس المساطر المعتمدة في المدن الكبرى عليها. فالعديد من أحيائها نشأت في ظروف تاريخية واجتماعية خاصة، وبعضها شُيد منذ عقود دون تصاميم هندسية أو وثائق عقارية مكتملة، ما يجعل مطالبة السكان اليوم بتوفير ملفات تقنية معقدة تشمل التصاميم والدراسات والتحفيظ ووثائق أخرى أمراً يكاد يكون مستحيلاً بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين.

 

الأمر لا يتعلق فقط بصعوبة المساطر، بل أيضاً بالكلفة المالية المرتفعة التي تفرضها هذه الإجراءات. فكيف يمكن لأسر تعيش تحت عتبة الفقر، ويقتصر دخلها أحياناً على الدعم الاجتماعي بمبلغ لا يتجاوز 500 درهم شهرياً، أن تتحمل مصاريف الدراسات التقنية والتصاميم والوثائق المطلوبة؟ وكيف يمكنها إصلاح منزل مهدد بالتصدع أو التوسع لتوفير ظروف عيش كريمة لأبنائها في ظل هذه الشروط؟

 

إن استمرار هذا الوضع لا ينعكس فقط على السكن، بل يساهم في شل جزء مهم من الحركة الاقتصادية بالمدينة. فتبسيط مساطر البناء من شأنه أن يخلق دينامية اقتصادية حقيقية، وينعش قطاعات البناء والتجارة والخدمات، ويوفر فرص عمل لشباب جرادة، خاصة أولئك الذين اضطروا إلى مغادرة آبار الساندريات بعدما أنهكتهم الأمراض ومخاطر العمل في البحث عن “الرغيف الأسود”.

 

واليوم، لم تعد ساكنة جرادة تطالب بامتيازات استثنائية، بل تطالب فقط بمقاربة واقعية وعادلة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المدينة وأوضاع سكانها. فالتنمية تبدأ بإزالة العراقيل التي تعطل حياة المواطنين وتمنعهم من تحسين ظروف عيشهم.

 

إن الرسالة التي تخرج من جرادة اليوم واضحة وصريحة: تبسيط إجراءات رخص البناء ليس مجرد مطلب إداري، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية وإنسانية قد تشكل مدخلاً حقيقياً لإنعاش مدينة أنهكها التهميش وانتظرت طويلاً نصيبها من العدالة المجالية والتنمية المستحقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى