أراء وأفكار وتحليل
التعاقد لم يُنهِ البطالة… بل غيّر شكلها فقط

بقلم رشيد اخراز جرادة / التحدي الإفريقي
الحكومة لم تُنهِ البطالة حين فتحت باب التعاقد، بل قامت فقط بإعادة تدوير الأزمة في قالبٍ جديد أكثر هدوءًا وأقل إحراجًا أمام الأرقام الرسمية.
فالعاطل الذي كان يقف في طابور البحث عن العمل، أصبح اليوم موظفًا يحمل حقيبةً وأوراقًا إدارية… لكنه ما زال يعيش الهشاشة نفسها، والخوف نفسه، والمستقبل الضبابي نفسه.
لقد جرى تسويق التعاقد كأنه إنقاذ اقتصادي، بينما الحقيقة أنه كان وسيلة لتقليص كلفة الموظف وتحويل الاستقرار المهني إلى امتياز نادر.
آلاف الشباب دخلوا الوظيفة العمومية دون أن يدخلوا فعلًا إلى الأمان الوظيفي. يعملون تحت ضغط دائم، بعقود يمكن تعديلها أو الالتفاف عليها، داخل منظومة تريد اليد العاملة… لا الإنسان.
الأخطر أن جل الإدارات والمؤسسات الحكومية لم تعد تُخفي فلسفتها الجديدة: موظف أقل حقوقًا، أكثر صمتًا، وأسهل تعويضًا.
وهكذا تحولت الوظيفة من مسار لبناء الحياة إلى مجرد هدنة مؤقتة مع البطالة. راتب آخر الشهر لم يعد دليل استقرار، بل تعويضًا نفسيًا عن القلق المزمن الذي يعيشه المتعاقد وهو يرى مستقبله معلّقًا بخيط إداري رفيع.
ما حدث ليس إصلاحًا لسوق الشغل، بل تجميلًا لأرقام البطالة بطريقة ذكية. فبدل أن يبقى الشباب عاطلين خارج المؤسسات، تم إدخالهم إليها بعقود هشة حتى تختفي الأزمة من الإحصائيات… لا من الواقع.
وحين يصبح أكبر حلم للشباب ليس “الاستقرار”، بل فقط “عدم الطرد”، فاعلم أن الحكومة لم تحل مشكلة البطالة… بل قامت فقط بتغيير اسمها.
كما أن التعاقد لم يصنع طبقة مستقرة، بل خلق جيشًا جديدًا من العاملين يحملون صفة “موظف” لكنهم يعيشون بعقلية العاطل الذي يخشى العودة إلى نقطة الصفر. والأسوأ أن هذا النموذج لم يُقدَّم كخيار اضطراري، بل كإصلاح حديث يُراد تعميمه وتطبيعه داخل قطاعات حيوية تمس التعليم والصحة والخدمات العمومية.



