تربية وتعليم
حين يتلعثم وزير التعليم… هل يسقط الخطاب أم تسقط هيبة المؤسسة ؟

بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي
لم يكن المشهد الذي أثار الجدل تحت قبة البرلمان مجرد لحظة ارتباك عابرة لوزير فقد توازنه اللغوي أمام الكاميرات، بل كان لحظة سياسية كاشفة لخلل أعمق بكثير مما يحاول البعض تبسيطه أو تبريره. لأن القضية، في جوهرها، لا تتعلق بإنسان تعثرت كلماته، بل بمؤسسة تعثرت صورتها الرمزية أمام مجتمع كامل.
الأخطر من تلعثم الوزير نفسه، كان ذلك النقاش البارد الذي تلاه، وكأن جزءا من الرأي العام لم يعد يرى أي مشكلة في أن يظهر المسؤول الأول عن قطاع التعليم بهذا المستوى من الارتباك داخل مؤسسة تشريعية يفترض أنها تمثل أعلى درجات الخطاب العمومي. فجأة، تحول النقاش من سؤال الكفاءة والصورة والرمزية، إلى سؤال سطحي: “وما أهمية أن يتحدث الوزير بطلاقة؟”
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
لأننا لا نتحدث عن تقني يشتغل في مكتب مغلق بعيدا عن الأنظار، بل عن وزير التعليم، أي الرجل الذي يُفترض أن يجسد، ولو رمزيا، قيمة اللغة والمعرفة والثقة في الخطاب. وزير يُفترض أن يرى فيه التلميذ صورة للمدرسة، لا مادة للسخرية الجماعية على منصات التواصل الاجتماعي.
لقد اختزل البعض التعليم في الأجور والتسويات والاتفاقات القطاعية، وكأن المدرسة مجرد إدارة محاسباتية لتوزيع الرواتب، لا مؤسسة تصنع الوعي وتبني صورة الدولة داخل عقول الأجيال. والحقيقة أن التعليم يبدأ من الرمزية قبل المقررات، ومن صورة المسؤول قبل البلاغات الرسمية.
جيل الأمس كان يرى الوزير في التلفاز بقدر من الهيبة، حتى وإن اختلف معه سياسيا. كانت الدولة تدرك أن السلطة لا تُمارس فقط بالقوانين، بل أيضا بالصورة والانطباع واللغة. لذلك كانت تحرص على الحد الأدنى من الوقار الذي يجعل المواطن يشعر أن المؤسسات أكبر من الأشخاص.
أما اليوم، فقد تغير كل شيء.
نحن أمام جيل يعيش داخل “تيك توك” و”إنستغرام”، جيل قد يختزل مؤسسة كاملة في عشر ثوان من الارتباك، ثم يبني موقفه من السياسة والتعليم انطلاقا من تلك اللحظة. وحين يصبح وزير التعليم مادة متداولة للسخرية الرقمية، فإن الضرر لا يصيب شخصه فقط، بل يصيب صورة المدرسة نفسها.
كيف سنقنع تلميذا باحترام المؤسسة التعليمية، بينما المسؤول الأول عنها بدا عاجزا عن إيصال فكرة بسيطة إلى نهايتها داخل البرلمان؟ وكيف سنطلب من الشباب الثقة في الخطاب السياسي، بينما مسؤول مؤسسة قدم خطابا مرتبكا ومهزوزا أمام الرأي العام؟
المشكلة ليست في التلعثم وحده، بل في العقلية التي أوصلت المشهد إلى هذا المستوى من الهشاشة. عقلية سياسية لم تعد تضع الكفاءة الفكرية والرمزية في مقدمة شروط المسؤولية، بقدر ما أصبحت تبحث عن الانسجام داخل دوائر النفوذ والولاء والاطمئنان السياسي. وهكذا لم يعد السؤال الحقيقي هو: “من الأجدر بقيادة المؤسسة؟” بل: “من الأكثر ملاءمة لتوازنات الكرسي؟”
وهنا يكمن الخطر.
فالدول لا تُهان فقط حين تفشل مشاريعها الاقتصادية أو الاجتماعية، بل أيضا حين تفقد قدرتها على تمثيل نفسها بصورة قوية ومحترمة أمام مواطنيها. لأن هيبة المؤسسات ليست شكلية، بل جزء من استقرار الدولة وثقة المجتمع.



