كشف تقرير حديث صادر عن البنك الدولي، أن معدلات النمو التي يحققها المغرب، والمدعومة باستثمارات عمومية ضخمة لا تنعكس إيجابا على سوق الشغل، حيث يفقد مئات الآلاف من المواطنين مناصب شغلهم سنويا في صمت.
التقرير، الذي يحمل عنوان “Scaling the Atlas: Growth and Jobs for a Prosperous Morocco”، يرسم صورة دقيقة لاقتصاد ينمو من حيث الأرقام، لكنه يتعثر في خلق فرص الشغل بالوتيرة التي يفرضها تطور الساكنة النشيطة.
فمنذ مطلع الألفية، حقق المغرب متوسط نمو سنوي يتراوح بين 4 و5 في المائة، مدفوعًا أساسًا بتوسع الاستثمار العمومي في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى. غير أن هذا المسار يخفي اختلالًا هيكليا عميقا: الاقتصاد لم يتمكن من استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق الشغل.
وفق معطيات التقرير، سجل المغرب عجزًا سنويًا متوسطه 215 ألف وظيفة بين 2000 و2024، وهو رقم ارتفع بشكل مقلق إلى حوالي 370 ألف وظيفة سنويا خلال الفترة 2020–2024، ما يعكس تفاقم الفجوة بين النمو والتشغيل.
هذا العجز ترافق مع تراجع ملحوظ في نسبة المشاركة في سوق العمل، التي انخفضت من 53.1% سنة 2000 إلى 43.5% سنة 2024، في مؤشر على أن جزءًا متزايدًا من المغاربة، خاصة الشباب والنساء، بات خارج دائرة البحث عن عمل. ولا يرتبط هذا الانسحاب فقط بتمديد سنوات الدراسة، بل أيضًا بتزايد الإحباط من سوق شغل لا يوفر فرصًا ملائمة من حيث الأجور أو الاستقرار.
المفارقة الأبرز التي يسلط عليها التقرير الضوء تكمن في طبيعة النمو ذاته. فالمغرب يعد من بين الدول الأكثر استثمارًا عالميا، حيث يبلغ معدل الاستثمار حوالي 30% من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة تفوق العديد من الاقتصادات الصاعدة. غير أن هذا الاستثمار، الذي تقوده الدولة والمؤسسات العمومية بنسبة قد تصل إلى ثلثي الإجمالي، يظل موجهًا أساسًا نحو مشاريع كثيفة رأس المال، ما يحد من أثره على التشغيل.
الأرقام تكشف بوضوح هذا الاختلال: أكثر من 85% من النمو منذ 2010 ناتج عن تراكم رأس المال، مقابل مساهمة ضعيفة جدًا للإنتاجية، التي لم تتجاوز أقل من نقطة مئوية سنويًا. بمعنى آخر، الاقتصاد المغربي “يشتري النمو” عبر ضخ الاستثمارات، بدل أن “يصنعه” عبر تحسين كفاءة الإنتاج والابتكار، وهو ما يفسر ضعف قدرته على خلق وظائف.
على مستوى النسيج المقاولاتي، يرصد التقرير مفارقة أخرى: المغرب يتوفر على قاعدة واسعة من الشركات، حيث بلغ عددها نحو 363 ألف شركة في 2022، لكنه لا يتوفر على شركات قادرة على خلق وظائف بكثافة. فحوالي 94% من هذه الشركات صغيرة جدًا، تشتغل في قطاعات منخفضة القيمة مثل التجارة والبناء، ولا تنمو بالسرعة الكافية لتوليد فرص عمل واسعة. في المقابل، الشركات الكبرى، رغم سيطرتها على السوق، تظهر إنتاجية أقل من نظيراتها في دول صاعدة، ما يعكس اختلالًا في المنافسة وتخصيص الموارد.
أما على مستوى سوق الشغل، فتبرز أزمة مزدوجة: من جهة، هناك عرض متزايد من اليد العاملة المؤهلة، نتيجة توسع التعليم العالي، ومن جهة أخرى، هناك طلب ضعيف على هذه المهارات. التقرير يشير إلى أن حوالي 43% من خريجي التعليم العالي يعملون في وظائف أقل من مؤهلاتهم، ما يعكس فجوة متنامية بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد.
النساء يمثلن بدورهن أحد أبرز مظاهر هذا الاختلال. فمعدل مشاركتهن في سوق الشغل لا يتجاوز 19% في 2024، وهو من بين الأضعف عالميًا، رغم تحسن مستويات التعليم. كما أن 47% من الشركات لا تشغل أي امرأة، في مؤشر على استمرار العوائق الثقافية والهيكلية، مثل غياب خدمات الرعاية، وضعف النقل، والتمييز في التوظيف.
في المناطق القروية، تتخذ الأزمة بعدًا آخر، مرتبطًا بالتغيرات المناخية. فقد فقد المغرب حوالي 1.2 مليون وظيفة فلاحية بين 2015 و2024، نتيجة توالي فترات الجفاف، دون أن يتمكن الاقتصاد الحضري من استيعاب هذه اليد العاملة، ما أدى إلى توسع العمل غير المهيكل في المدن.
مقارنة بدول مثل Vietnam وIndonesia، يظهر الفارق بوضوح. هذه الاقتصادات نجحت في تحويل النمو إلى فرص شغل عبر تطوير قطاعات صناعية تصديرية ودمج الشركات في سلاسل القيمة العالمية، في حين لا يزال الاقتصاد المغربي يعتمد بشكل أكبر على الطلب الداخلي والاستثمار العمومي.
في المحصلة، يخلص تقرير البنك الدولي إلى أن التحدي الذي يواجه المغرب لم يعد يتعلق بتحقيق النمو، بل بتحويل هذا النمو إلى وظائف. وهو ما يتطلب، بحسب التقرير، إصلاحات عميقة تشمل تعزيز المنافسة، دعم الشركات الديناميكية، تحسين جودة الاستثمار العمومي، ورفع مشاركة النساء والشباب في سوق الشغل.
دون هذا التحول، يحذر التقرير ضمنيًا، سيظل الاقتصاد المغربي يحقق أرقامًا إيجابية على الورق، لكنه سيواصل إنتاج بطالة كامنة تتسع سنة بعد أخرى.