في الرباط، لم يكن المشهد عادياً ولا قابلاً للتأويل الناعم. ما جرى يوم الإثنين كان إعلان موقف حاسم: العدول لم يعودوا مستعدين للقبول بمنطق الإملاء. من مختلف ربوع المغرب، ومن بينهم عدول العيون، ارتفعت الأصوات لا لتناشد، بل لتواجه. فحين يتحول القانون من أداة تنظيم إلى وسيلة فرض، يصبح الرفض واجباً لا خياراً.
المحتجون لم يأتوا ليجاملوا أو يساوموا، بل جاؤوا ليضعوا حداً لمسار يرونه منحرفاً منذ البداية.
مشروع قانون يُصاغ في غياب أهله، ثم يُقدّم لهم كأمر واقع… تلك ليست شراكة، بل وصاية مرفوضة. ومن يظن أن المهنة ستنحني، فهو يقرأ الواقع بعيون مغمضة.
لغة الشعارات هذه المرة لم تكن مطلبية فقط، بل كانت حاسمة، تقطع مع رمادية المواقف. الرسالة واضحة: “لا شرعية لنص لا يعكس إرادة من سيطبقونه”.
إنها مواجهة بين تصورين: مؤسسة تُشرك، وأخرى تُقرر نيابة عن الجميع. وبينهما تقف مهنة العدول، رافضة أن تكون الحلقة الأضعف.
عدول العيون لم يكونوا رقماً مكملاً في الحشد، بل كانوا جزءاً من جبهة موحدة ترفض التهميش. حضورهم أكد أن القضية وطنية، وأن الإقصاء لا يُقاس بالجغرافيا بل بمنهجية تدبير تُقصي الجميع. ومن هنا، فإن الرسالة لم تعد محلية، بل موجهة إلى من يعنيهم الأمر: لا إصلاح دون أهل الميدان.
الأخطر في المشهد أن مسار التشريع مستمر، وكأن شيئاً لم يكن. مصادقة مجلس النواب لم تُهدئ الغضب، بل زادته اشتعالاً. ومع اقتراب مرور المشروع عبر مجلس المستشارين، يبدو أن هناك إصراراً على المضي قدماً، حتى لو كان الثمن هو تعميق القطيعة مع الجسم المهني.
لكن ما يجب أن يُفهم بوضوح: الصمت انتهى. والمرحلة المقبلة لن تُدار بنفس الأدوات. التلويح بالتصعيد لم يعد ورقة ضغط، بل خيار قائم. وإذا استمر تجاهل هذا الرفض الجماعي، فإن تبعاته لن تقف عند حدود الوقفات الاحتجاجية.
هذه لحظة حسم، لا تحتمل أنصاف الحلول. إما مراجعة جذرية تُعيد الاعتبار لمبدأ التشارك، أو مواجهة مفتوحة مع مهنة قررت أن تدافع عن وجودها بكل الوسائل المشروعة.