مجتمع

الأسرة بين اليوم والأمس.. تربية الاولاد وثقل نمط العيش

مصطفى الجمري/التحدي الإفريقي

في سياق التحولات الاجتماعية المتسارعة التي يعرفها المغرب، تبرز مسألة العلاقة بين الأبناء والوالدين كإحدى القضايا المركزية التي تستدعي مقاربة علمية وإنسانية في آن واحد.

فبين ضغط الحياة اليومية، وتسارع الإيقاع المهني، والتغير في أنماط العيش، أصبح الوالدان في بعض الأسر عرضة لإهمال غير مقصود، له انعكاسات نفسية وصحية مثبتة علميًا.

تشير دراسات في علم النفس الأسري إلى أن العلاقة الإيجابية مع الوالدين تُعدّ من أهم محددات التوازن النفسي لدى جميع أفراد الأسرة.

فالوالدان، بحكم موقعهما العاطفي والتربوي، لا يحتاجان فقط إلى الرعاية المادية، بل إلى ما هو أعمق: الإحساس بالاهتمام، والتقدير، والانتماء. وعندما يغيب هذا البعد، تظهر لدى الوالدين أعراض نفسية مثل الشعور بالعزلة، وفقدان القيمة، وقد تتطور إلى حالات من الاكتئاب الصامت أو التدهور الصحي المرتبط بالحالة النفسية.

من منظور علمي، تؤكد أبحاث في مجال علم النفس الاجتماعي أن التفاعل الأسري الدافئ—كالحوار اليومي، والمشاركة في اتخاذ القرار، والتعبير عن الامتنان—يساهم في إفراز هرمونات إيجابية مثل الأوكسيتوسين، التي تعزز الشعور بالأمان والانتماء.

في المقابل، فإن الإهمال العاطفي إن كان غير مقصود—يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر، ويؤثر سلبًا على الصحة الجسدية، بما في ذلك اضطرابات النوم وارتفاع ضغط الدم.

في النموذج المغربي، الذي طالما تميز بقيم التكافل وصلة الرحم، تطرح هذه التحولات تساؤلات حقيقية حول مدى صمود هذه القيم أمام تحديات العصر.

فانتقال الأسرة من نمطها الممتد إلى النمط النووي، وتزايد الانشغال الفردي، جعلا من الضروري إعادة التفكير في آليات الحفاظ على الروابط الأسرية، وخاصة العلاقة مع الوالدين.

إن تجاهل الوالدين أو إقصاءهما من تفاصيل الحياة اليومية لا ينعكس فقط على حالتهما النفسية، بل يمتد أثره إلى الأبناء أنفسهم.

فالعلاقة مع الوالدين تشكّل مرجعًا سلوكيًا وأخلاقيًا، ومن خلالها تُبنى قيم الاحترام والمسؤولية. وتشير الأبحاث إلى أن الأبناء الذين يحافظون على روابط قوية مع والديهم يتمتعون بمستويات أعلى من الاستقرار النفسي والنجاح الاجتماعي.

 

أيها الأبناء، إن العلم قبل القيم، يؤكد أن أبسط أشكال الاهتمام يمكن أن تُحدث فرقًا عميقًا: مكالمة هاتفية صادقة، مشاركة يومياتكم، طلب رأي الوالدين، أو حتى الجلوس معهما دون استعجال.

هذه السلوكيات البسيطة تُعيد بناء الجسر العاطفي، وتمنح الوالدين إحساسًا بأنهم ما زالوا جزءًا حيًا من حياتكم.

إن تدارك ما يمكن تداركه يبدأ بالوعي، ثم بالفعل. فالعلاقة مع الوالدين ليست شأنًا مؤجّلًا، ولا مسؤولية ثانوية، بل هي استثمار إنساني ونفسي طويل الأمد، ينعكس أثره على الفرد والمجتمع. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل نمنح الوالدين اليوم ما يستحقونه، أم نؤجل ذلك إلى حين لا ينفع فيه الندم؟

ختامًا، إن بناء أسرة متوازنة يبدأ من إعادة الاعتبار للوالدين، ليس فقط كواجب، بل كضرورة علمية وإنسانية، تضمن تماسك المجتمع واستمرارية قيمه في عالم سريع التغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى