سادت حالة من الارتياح في مدينة أصيلة عقب نجاح المصالح الأمنية في توقيف قاصر ثالث يُشتبه في تورطه في سرقة الأجزاء النحاسية من أعلى برج “القمرة” التاريخي ذي الطابع البرتغالي، وذلك بعد إيقاف قاصرين آخرين في وقت سابق على خلفية القضية نفسها. وقد جرى تقديم الموقوفين أمام أنظار النيابة العامة لدى المحكمة الاستئنافية بطنجة.
وأثار هذا التدخل الأمني ارتياحاً واسعاً في صفوف الساكنة، التي نوهت بسرعة ونجاعة التحرك، معتبرة أنه حدّ من سلوك إجرامي استهدف أحد أبرز المعالم التاريخية بالمدينة. كما أشادت فعاليات مدنية بيقظة عناصر الأمن، داعية في المقابل إلى اعتماد مقاربة شمولية تدمج الأبعاد التربوية والاجتماعية إلى جانب المقاربة الأمنية، للحد من تكرار مثل هذه الأفعال.
وفي موازاة ذلك، تجدد النقاش داخل الأوساط الجمعوية حول الوضعية المتدهورة التي آلت إليها معلمة “القمرة”، حيث اعتبر عدد من الفاعلين أن الواقعة تكشف اختلالات أعمق مرتبطة بتعثر مشاريع تثمين المدينة العتيقة، خاصة مشروع ترميم البرج. ويرى هؤلاء أن ما جرى ليس حادثاً معزولاً، بل نتيجة تراكمات ناجمة عن بطء التنفيذ وضعف التنسيق بين المتدخلين، ما جعل الموقع عرضة للإهمال والتخريب.
ودعت فعاليات محلية إلى تدخل عاجل من الجهات المختصة، على المستويين الجماعي والجهوي، لتسريع برامج الترميم والتثمين، وضمان حماية فعلية لهذا الرصيد التاريخي. كما شددت على أن الحل الأمني، رغم ضرورته، يظل محدود الأثر ما لم يُواكَب بسياسات تربوية تعزز وعي الشباب بأهمية صون التراث وقيم المواطنة.
وكانت المدينة قد عاشت خلال الأيام الماضية على وقع موجة استنكار واسعة عقب الواقعة، التي اعتُبرت مساساً بالذاكرة الجماعية لأصيلة، بالنظر إلى القيمة الرمزية التي يحظى بها برج “القمرة”. وقد خضع هذا المعلم لعملية إعادة تأهيل سنة 1994 في إطار شراكة بين مؤسسة منتدى أصيلة ومؤسسة غولبنكيان البرتغالية، بحضور ولي العهد آنذاك الملك محمد السادس والرئيس البرتغالي ماريو سواريس.
ويرتبط البرج أيضاً بمحطة تاريخية بارزة، إذ يُروى أنه كان المكان الذي قضى فيه الملك البرتغالي سيباستيان الأول ليلته قبل توجهه إلى القصر الكبير، حيث دارت سنة 1578 معركة وادي المخازن، المعروفة بـ“معركة الملوك الثلاثة”، والتي انتهت بانتصار مغربي حاسم.
وفي ظل هذه التطورات، يتنامى الوعي داخل المدينة بأن إنقاذ برج “القمرة” لم يعد خياراً مؤجلاً، بل أولوية ملحة واختباراً حقيقياً لمدى الالتزام بحماية التراث وتعزيز مكانة أصيلة كوجهة ثقافية وسياحية على المستويين الوطني والدولي.