ليس تدبير قطاع الصحة مجرد مسؤولية إدارية، ولا هو مهمة تقتصر على تدبير المستشفيات وتوزيع الموارد، بل هو اختبار يومي لمدى قدرة الدولة على حماية حق المواطن في العلاج، وصون كرامة مهنيي الصحة الذين يقفون في الصفوف الأمامية لمواجهة أعطاب المنظومة الصحية.
ومن هذا المنطلق، يجد يونس بجيجو، الطبيب والأستاذ الجامعي الذي راكم تجربة في تدبير المؤسسات الصحية والتكوين الطبي، نفسه أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها انتظارات المواطنين مع المطالب المهنية والاجتماعية للعاملين في القطاع، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل المستشفى العمومي وقدرته على الاستجابة لحاجيات المغاربة.
فهل ستكون الخبرة الطبية والتدبيرية مدخلاً لإعادة الثقة في المنظومة الصحية، أم أن حجم الاختلالات سيظل أكبر من انتظارات التغيير؟
مهنيّو الصحة.. الحلقة الأساسية في معادلة الإصلاح
إذا كان المواطن ينتظر موعداً طبياً في آجال معقولة، ودواءً متوفراً، واستقبالاً يحفظ كرامته، فإن مهنيي الصحة ينتظرون بدورهم منظومة تقدر جهودهم، وتنصفهم مهنياً واجتماعياً، وتوفر لهم ظروفاً مناسبة لممارسة مهامهم.
فالخصاص في الموارد البشرية، وضغط العمل، والاكتظاظ داخل المؤسسات الاستشفائية، وتفاوت الإمكانات بين الجهات، كلها تحديات تضع الأطباء والممرضين وباقي الأطر الصحية أمام مسؤوليات متزايدة، وتطرح تساؤلات بشأن قدرة القطاع العمومي على استقطاب الكفاءات والحفاظ عليها.
ولا تقف انتظارات الشغيلة الصحية عند حدود تحسين ظروف العمل، بل تمتد إلى تنزيل الالتزامات المهنية والاجتماعية، وتطوير المسارات الوظيفية، وضمان الإنصاف في التعويضات، وتعزيز التكوين المستمر، وإشراك المهنيين في القرارات التي تمس مستقبل القطاع.
وفي قلب هذه الملفات، يبرز الحوار الاجتماعي باعتباره أحد المداخل الأساسية لبناء الثقة بين الوزارة ومهنيي الصحة. فإلى أي حد ستنجح المرحلة المقبلة في تجاوز منطق تدبير الخلافات الظرفية نحو علاقة مؤسساتية أكثر استقراراً، توازن بين حقوق العاملين وضمان استمرارية الخدمات الصحية؟
المستشفى العمومي.. الرهان الذي لا يقبل التأجيل
بعيداً عن لغة الأرقام والبرامج المعلنة، يظل المستشفى العمومي الواجهة الأكثر مباشرة التي يقيس من خلالها المواطن نتائج السياسات الصحية. ففي أقسام المستعجلات، وقاعات الانتظار، ومصالح الفحوصات، تتجسد يومياً التحديات المرتبطة بالموارد البشرية والتجهيزات والأدوية وجودة الاستقبال.
ومن هنا، لا يمكن فصل تحسين ظروف اشتغال مهنيي الصحة عن تحسين الخدمات المقدمة للمرضى. فالعلاقة بين الطرفين ليست علاقة مطالب متعارضة، بل معادلة مترابطة: مهني يعمل في ظروف ملائمة، ومريض يستفيد من علاج يحفظ كرامته ويستجيب لحاجياته.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو مدى قدرة الإصلاحات المرتقبة على تقليص الفجوة بين طموحات إصلاح المنظومة الصحية والواقع الذي تعيشه المؤسسات العمومية، خصوصاً في المناطق التي تواجه صعوبات في استقطاب الأطر والتجهيزات الطبية.
الشراكة مع القطاع الخاص.. فرصة أم مصدر تساؤلات؟
في سياق البحث عن سبل تطوير العرض الصحي، يبرز ملف الشراكات مع القطاع الخاص باعتباره أحد المواضيع التي تستدعي نقاشاً عمومياً واضحاً بشأن أهدافها وانعكاساتها.
ففي الوقت الذي يمكن أن تتيح فيه هذه الشراكات فرصاً لتعبئة الاستثمارات وتوسيع بعض الخدمات، تظل أسئلة مشروعة مطروحة حول أثرها على المستشفى العمومي، وتوزيع الموارد البشرية، وتكلفة العلاج، وضمان استفادة الفئات محدودة ومتوسطة الدخل من الخدمات الصحية.
كما يبرز تساؤل آخر يتعلق بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على دورها الأساسي في ضمان الحق في العلاج، دون أن تتحول الاعتبارات المالية والتدبيرية إلى عائق أمام الإنصاف في الولوج إلى الخدمات الصحية.
وهي قضايا تجعل التحدي أمام الوزارة مرتبطاً ليس فقط بتطوير العرض الصحي، بل أيضاً بمدى قدرة الخيارات المعتمدة على تحقيق التوازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
الدولة الاجتماعية.. الاختبار الحقيقي يبدأ من الصحة
يأتي هذا النقاش في سياق ورش الدولة الاجتماعية الذي أكد عليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الحادية عشرة، يوم 8 أكتوبر 2021.
وفي هذا السياق، لا يتعلق الرهان بمجرد إصلاح إداري لقطاع حيوي، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على جعل الحق في الصحة واقعاً ملموساً، ينعكس على حياة المواطنين وعلى ظروف عمل المهنيين الذين يتحملون مسؤولية تقديم الخدمات العلاجية.
إن نجاح أي مرحلة إصلاحية سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على الجمع بين انتظارات المرضى ومطالب الشغيلة الصحية، وبين تطوير المؤسسات وضمان استدامة الخدمات، في إطار حكامة واضحة ومسؤولية قابلة للمساءلة.
اليوم، لا ينتظر مهنيّو الصحة مجرد تغيير في الأسماء، كما لا ينتظر المواطن وعوداً جديدة؛ بل يتطلع الطرفان إلى نتائج ملموسة تنهي مظاهر الاختلال وتعيد الاعتبار للقطاع العمومي.
ويبقى السؤال المطروح أمام يونس بجيجو: هل تنجح تجربته الطبية والتدبيرية في فتح صفحة جديدة مع مهنيي الصحة، واستعادة الثقة داخل المستشفيات العمومية، أم أن الملفات المتراكمة ستجعل التغيير أكثر تعقيداً مما توحي به المؤهلات؟
الإجابة لن تحسمها التصريحات، بل ما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من تحولات في واقع المستشفيات، وظروف اشتغال المهنيين، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ففي قطاع ترتبط خدماته بصحة الإنسان وكرامته، لا تُقاس قيمة الإصلاح بما يُعلن عنه، بل بما يتغير فعلياً في حياة الناس.