بقلم عبد السلام تونشيبين/التحدي الافريقي
يفرض مهرج ان موازين إيقاعات العالم نفسه كواحد من أكبر المهرجانات الموسيقية في إفريقيا والعالم العربي، فهو حدث ثقافي يستقطب أشهر الفنانين العالميين ويجذب مئات الآلاف من الزوار مما يجعله واجهة دولية للمغرب ومنصة للتبادل الثقافي والانفتاح الفني.
غير أن هذا البعد الاحتفالي لا يحجب الجدل المتجدد الذي يرافق المهرجان في كل دورة، حيث يتحول من مناسبة فنية إلى موضوع للنقاش العمومي حول الأولويات التنموية والعدالة الاجتماعية.
إن أولى الإشكاليات التي يطرحها منتقدو المهرجان تتعلق بمسألة الأولويات،ففي سياق اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الفوارق الاجتماعية واستمرار التحديات المرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل.
ويبرز سؤال جوهري، هل تمثل التظاهرات الفنية الضخمة أولوية بالنسبة لمجتمع لا تزال فئات واسعة منه تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية؟
هذا السؤال لا يعكس رفضا للثقافة أو للفن بل يعبر عن رؤية تعتبر أن الاستثمار العمومي ينبغي أن يخضع لمنطق الحاجات الملحة قبل الاهتمام بالمشاريع ذات الطابع الترفيهي أو الرمزي.
ومن زاوية أخرى، يثير المهرجان نقاشا مرتبطا بطبيعة النموذج الثقافي الذي يسعى إلى تكريسه.
فاستضافة نجوم عالميين بأجور مرتفعة قد تمنح الحدث إشعاعا إعلاميا واسعا لكنها تطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول حجم الاستفادة التي يحققها الفنانون المحليون ومدى مساهمة المهرجان في بناء صناعة ثقافية وطنية مستدامة قادرة على إنتاج القيمة المضافة وخلق فرص الشغل وتعزيز الإبداع المغربي.
كما أن الجدل لا ينحصر في الجانب المالي فقط بل يمتد إلى البعد الرمزي والثقافي، فبعض الأصوات ترى أن المهرجان يعكس نموذجا للاستهلاك الثقافي السريع المرتبط بالفرجة الجماهيرية، في حين تحتاج التنمية الثقافية الحقيقية إلى استثمارات طويلة الأمد في التعليم الفني والمكتبات والمسارح ودور الثقافة ودعم الإنتاج المحلي.
فالثقافة وفق هذا التصور، ليست مجرد حفلات موسيقية ضخمة، بل هي مشروع مجتمعي يهدف إلى بناء الوعي وتنمية الذوق العام وتعزيز الهوية الثقافية في المقابل.
لا يمكن إنكار أن لموازين آثارا إيجابية واضحة، فالمهرجان يساهم في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية ويعزز صورة المغرب كبلد منفتح ومتعدد الثقافات كما يتيح للجمهور المغربي فرصة متابعة عروض فنية عالمية قد يصعب الوصول إليها في ظروف أخرى لذلك فإن اختزال النقاش في ثنائية (مع أو ضد) يبدو تبسيطا مفرطا لقضية أكثر تعقيدا.
إن النقاش الحقيقي الذي يثيره مهرجان موازين لا يتعلق بوجود المهرجان في حد ذاته وإنما بكيفية إدماجه ضمن رؤية ثقافية وتنموية متوازنة فالمجتمعات الحديثة لا تستغني عن الثقافة والفنون لكنها في الوقت نفسه مطالبة بضمان العدالة في توزيع الموارد وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبين الاستثمار في القوة الناعمة والإشعاع الثقافي.
لذلك يبقى موازين مرآة تعكس جدلا أعمق من مجرد مهرجان موسيقي إنه نقاش حول معنى التنمية، وطبيعة الأولويات والدور الذي ينبغي أن تلعبه الثقافة في بناء المجتمع وبين المؤيدين والمعارضين تظل الحاجة قائمة إلى حوار هادئ وموضوعي يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الدعائية أو الإيديولوجية ويبحث عن نموذج ثقافي قادر على الجمع بين الإشعاع الفني والعدالة الاجتماعية.