في زمن الحروب، لا تحتاج صناعة الوهم إلى مصانع ضخمة ولا إلى أجهزة معقدة؛ أحيانًا يكفي مقطع قديم، وعنوان مثير، وقليل من «البهارات» الإعلامية، ليُقدَّم للجمهور على أنه اكتشاف القرن!
وهكذا ظهر مقطع متداول لمجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، وهو يلقي درسًا أمام طلاب للعلوم الدينية، مرفقًا بعبارات توحي بأن العالم أمام «ظهور أول» أو «صور تُنشر لأول مرة». المشهد يبدو مثيرًا، لكن المفاجأة أن الجديد في القصة ليس الفيديو
بل العنوان الذي أُلبس له!
فالتدقيق في أصل التسجيل يكشف أنه ليس تصويرًا حديثًا، ولا ظهورًا سريًا خرج للتو من أحد المخابئ، وإنما مادة أرشيفية سبق أن عُرضت ضمن فيلم وثائقي إيراني بعنوان «حديث گمنامی» بثه التلفزيون الإيراني في مارس/آذار 2026.
بمعنى آخر: الصورة قديمة، لكن «موسم اكتشافها» جديد!
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف. ففي عصر أصبحت فيه الصورة أقوى من البيان، يمكن لقصّ جزء من سياقه الزمني أن يحوّل أرشيفًا عاديًا إلى «دليل سياسي»، وأن يجعل المشاهد يعتقد أنه أمام ظهور طازج لشخصية تحيط بها أسئلة هائلة.
المشكلة ليست في أن الفيديو حقيقي؛ بل في الكذبة التي يمكن أن تُبنى حول حقيقة حقيقية.
وتزداد المسألة حساسية بسبب الغموض الذي يحيط بمجتبى خامنئي منذ توليه منصب المرشد الأعلى خلفًا لوالده، بعد مقتل علي خامنئي في الضربات الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير/شباط 2026. فمنذ ذلك الحين، ظل حضوره العلني محدودًا، بينما تضاربت الروايات بشأن وضعه الصحي ومكان وجوده وطبيعة تحركاته.
كما أثارت تصريحات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن صعوبة التواصل مع المرشد علامات استفهام إضافية، قبل أن تتحدث تصريحات لاحقة عن تحسن إمكانية الوصول إليه.
أما ما يُتداول عن تقارير استخباراتية أميركية تزعم وجوده في عزلة مشددة، فيبقى، ما لم تدعمه أدلة مستقلة، ضمن دائرة المعلومات غير المؤكدة، لا الحقائق التي يجوز تقديمها للجمهور بلهجة اليقين.
وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الصحافة وتنتهي مهمة «مطبخ الإشاعة».
فالصورة ليست بريئة دائمًا، والعنوان ليس تفصيلًا هامشيًا، والسياق ليس رفاهية تحريرية. قد تكون الصورة أصلية، لكن الرواية المصاحبة لها مزيفة.
وفي زمن الحرب، أخطر الأسلحة ليست دائمًا الصواريخ؛ أحيانًا تكون صورة عمرها أشهر، تُعاد إلى الواجهة بعنوان جديد، فتُطلق على وعي الجمهور قبل أن يملك فرصة السؤال: متى صُوّرت؟ وأين؟ ولماذا الآن؟
لذلك، فإن «الظهور الأول» لمجتبى خامنئي قد لا يكون ظهورًا جديدًا أصلًا، بل ظهورًا جديدًا للوهم القديم: حين يُطلب من الصورة أن تقول ما لم تقله يوم وهنا لا يعود السؤال هل الصورة حقيقية؟
بل يصبح السؤال الاكثر ازعاجا من الذي اعاد تدويرها …ولماذا؟