مجتمع

على ظهره وطنٌ مكسور وأمٌ تبحث عن الحياة

بقلم/ سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

لم يكن يحمل حقيبة سفر، ولا وثائق تثبت هوية، ولا مؤونة تعينه على رحلة مجهولة. كان يحمل على ظهره أمه العجوز، وكأنه يحمل وطنًا بأكمله أثقلته الخيبات. مشهد يهز الضمير قبل أن يلفت الأنظار؛ رجل يشق أمواج البحر نحو مدينة سبتة، لا بحثًا عن مغامرة، بل هربًا من واقع لم يترك له سوى خيار المجازفة بالحياة.

 

 

أي قسوة تلك التي تدفع ابنًا إلى تحويل جسده إلى قارب نجاة لأمه؟ وأي شعور بالعجز يجعل امرأة مسنة تقبل أن تخوض البحر على ظهر فلذة كبدها، وهي تعلم أن موجة واحدة قد تنهي الحكاية؟ إنه سؤال لا يخص أسرة واحدة، بل يطارد مجتمعًا بأكمله، بعدما أصبحت صور الهجرة غير النظامية مرآة تعكس حجم الانكسار الذي يعيشه كثير من الشباب والأسر.

 

 

ذلك الرجل لم يكن يهرب من وطنه بقدر ما كان يهرب من اليأس. لم يكن يبحث عن الثراء السريع، بل عن فرصة تحفظ كرامته وكرامة والدته. فالإنسان لا يختار مواجهة البحر، وهو يدرك أنه قد يتحول إلى قبر مفتوح، إلا عندما يشعر أن اليابسة لم تعد تمنحه حق الحياة الكريمة.

 

 

إن حمل الأم على الظهر في تلك اللحظة لم يكن مجرد فعل إنساني نبيل، بل رسالة مدوية تقول إن الفقر حين يشتد، واليأس حين يتجذر، يدفع الإنسان إلى تحدي المستحيل. لقد اختلطت في تلك الصورة الرحمة بالألم، والحب بالخوف، والأمل بالموت، لتختصر مأساة آلاف الأسر التي ترى في الضفة الأخرى آخر أبواب النجاة.

 

 

وراء كل مهاجر قصة لم تُروَ، ووراء كل جسد يخوض البحر أمٌ تبكي، أو أبٌ ينتظر، أو أطفال يحلمون بمستقبل مختلف. لكن عندما تصبح الأم نفسها جزءًا من رحلة الهروب، فإن المأساة تبلغ ذروتها، لأن الوطن يكون قد خسر آخر ما يمنح الإنسان الشعور بالأمان.

 

 

إن أخطر ما تكشفه هذه الصورة ليس نجاح العبور أو فشله، بل وصول الإحباط إلى مرحلة يصبح فيها البحر أرحم من اليابسة في نظر كثيرين. وحين تتحول الأم إلى رفيقة في رحلة الفرار بدل أن تبقى في بيتها تنتظر عودة ابنها، فإن ناقوس الخطر يدق بقوة، معلنًا أن الأزمة لم تعد مجرد أرقام عن الهجرة، بل جرحًا إنسانيًا عميقًا يحتاج إلى معالجة حقيقية.

 

 

سيبقى ذلك المشهد شاهدًا على زمن حمل فيه رجل أمه فوق ظهره، بينما عجز الوطن عن حمل أحلامهما. وستظل الصورة تطرح سؤالًا موجعًا: كم من الأمهات يجب أن يعبرن البحر على ظهور أبنائهن، قبل أن يصبح العيش الكريم حقًا لا حلمًا مؤجلًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى