ثقافة

الملتقى العالمي للتصوف في دورته الحادية والعشرين.. إمارة المؤمنين وصيانة الإرث النبوي في صلب نقاشات علمية وفكرية دولية

عادل الساحلي/التحدي الإفريقي

اختتمت فعاليات الدورة الحادية والعشرين من الملتقى العالمي للتصوف، الذي نظمته الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى بشراكة مع المركز الأورو متوسطي لدراسة الإسلام، تحت إشراف شيخ الطريقة ورئيس مؤسسة الملتقى الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، وذلك بمداغ بإقليم بركان، خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 26 غشت 2026، بالتزامن مع الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف.

وحملت الدورة شعار: إمارة المؤمنين وصيانة الإرث النبوي رهانات التزكية وتحقيق نموذج قيمي حضاري لترسيخ الحياة الطيبة ، في سياق سعى من خلاله المنظمون إلى فتح نقاش علمي وفكري حول مكانة الإرث النبوي ودور القيم الروحية والأخلاقية في مواجهة تحديات العصر، وتعزيز مقومات الإنسان المتوازن القادر على التفاعل مع التحولات المتسارعة.

وشكل الملتقى، وفق التقرير الختامي، فضاءا للتفكير والحوار والاستمداد من معين النبوة، بما يساهم في تحويل التربية الروحية إلى قوة لبناء الإنسان المعاصر، إلى جانب تصحيح بعض الصور التي تروج عن الإسلام والمسلمين بسبب سلوكات وممارسات لا تعكس جوهر الدين وقيمه السمحة.

وعرفت أشغال الدورة تنظيم ثماني جلسات، إلى جانب الجلسة الافتتاحية والختامية، قدم خلالها أكثر من خمسين عالما وباحثا مداخلات في تخصصات ومنظورات مختلفة، بمشاركة أسماء من العالم العربي والإفريقي والأوروبي والآسيوي ومن مختلف مناطق العالم، ما عزز الطابع الدولي للملتقى باعتباره منصة للحوار بين العلماء والمفكرين والباحثين حول قضايا الدين والتصوف والقيم.

 

وفي كلمته خلال الملتقى، أكد الدكتور مولاي منير القادري بودشيش أن الغاية من هذه التظاهرة تتجاوز النقاش الأكاديمي لتجعل من الملتقى فضاءا للتفكير والحوار واستلهام الهدي النبوي، بما يسمح بتحويل التربية الروحية إلى رافعة لبناء الإنسان المعاصر، خصوصا في ظل التحولات المرتبطة بالعولمة والذكاء الاصطناعي وتحديات الحفاظ على إنسانية الإنسان.

كما شددت المداخلات على مركزية مؤسسة إمارة المؤمنين في تحصين الدين وحماية الثوابت المميزة للتدين المغربي، مع إبراز الجهود التي يبذلها أمير المؤمنين الملك محمد السادس في صيانة هذه الثوابت وترسيخ الأمن الروحي، فضلا عن استحضار البعد التاريخي والحضاري للمغرب في حفظ الإرث النبوي.

ولم تقتصر أشغال الملتقى على الجانب الروحي، بل تناولت أيضا العلاقة بين الدين والسياسة في السياق الإسلامي، حيث جرى التأكيد على أن الشرعية الدينية تشكل أساساً للشرعية السياسية، مع إبراز دور البيعة في حفظ الموروث وإحياء القيم، والتوقف عند تجربة الطرق الصوفية الأصيلة في المغرب ودورها في الحفاظ على الوحدة الوطنية تحت لواء إمارة المؤمنين.

كما حضرت في النقاشات قضايا مرتبطة بالتصوف كرافعة للدبلوماسية الروحية وخدمة الإنسان في إفريقيا، ودوره في نشر قيم التسامح والتعارف والتعايش داخل المغرب وخارجه، في انسجام مع ما يطرحه الملتقى من تصورات حول مساهمة القيم الروحية في مواجهة مظاهر التطرف والانغلاق وتعزيز الاستقرار والأمن الروحي.

وأكد التقرير الختامي أن العلاقة التي تربط المغرب بمحيطه الدولي لا تقتصر على الجوانب السياسية والمصالح المشتركة، بل تقوم أيضا على الاحترام والوفاء بالعهود والمواثيق، باعتبارها مداخل لتعزيز علاقات الصداقة والتعاون بين الشعوب.

وفي سياق متصل، برزت خلال المداخلات الرؤية الملكية المرتبطة بخدمة الإنسان في إفريقيا، باعتبارها مدخلا للدبلوماسية الروحية وتعزيز الأمن الروحي ونشر قيم الوسطية وترسيخ الثوابت الدينية في القارة، إلى جانب إبراز دور أمير المؤمنين في نشر قيم التسامح والتعارف من خلال أنشطة متعددة داخل المغرب وخارجه.

كما استحضرت أشغال الدورة مرور خمسة عشر قرنا على ولادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما يرتبط بهذه المناسبة من دلالات رمزية وحضارية، مع التأكيد على أهمية استثمارها في صيانة الموروث النبوي وحفظ المقومات القيمية والحضارية للمغرب.

وبذلك، كرست الدورة الحادية والعشرون من الملتقى العالمي للتصوف بمداغ توجهها نحو الجمع بين التزكية والفكر، والروح والقيم، والتراث وأسئلة العصر، مقدمةً التصوف باعتباره مجالاً للحوار وبناء الإنسان ونشر ثقافة التسامح والتعايش، ومؤكدة في الوقت ذاته مركزية الثوابت الدينية والوطنية في النموذج المغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى