بقلم رشيد اخراز جرادة / جريدة التحدي الافريقي
في جرادة، كما في كل مدينة أنهكتها الانتظارات وتراكمت فيها الملفات والقضايا، أصبح الاختلاف أحياناً أخطر من المشكلة نفسها. لم نعد نختلف من أجل الوصول إلى الحقيقة، بل نختلف وكأننا نخوض حرباً، وكأن صاحب الرأي الآخر عدو يجب إسقاطه، لا مواطن يملك حقاً كاملاً في أن يرى الأمور من زاوية مختلفة.
وهنا تكمن الكارثة.
جرادة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الحروب الصغيرة بين أبنائها، ولا إلى معارك شخصية تُلبس ثوب المصلحة العامة. المدينة تحتاج إلى عقول تتسع للاختلاف، وصدور تتسع للنقد، وقلوب تفهم أن مصلحة جرادة أكبر من الأشخاص والأسماء والحسابات الضيقة.
أن تنتقد، فهذا حقك.
أن تعارض، فهذا حقك.
أن تفضح الاختلالات، فهذا واجب عندما تكون هناك مصلحة عامة.
لكن أن يتحول النقد إلى تشهير، والمعارضة إلى تصفية حسابات، والاختلاف إلى عداوة، فهنا نكون قد تجاوزنا حدود النقاش ودخلنا منطقة خطيرة تحرق الجميع.
يا أبناء جرادة، تعلموا كيف تختلفون دون أن تتحولوا إلى أعداء.
ليس كل من خالفك فاسداً، وليس كل من انتقد فكرتك حاقداً، وليس كل من لم يصفق لك يعمل ضد المدينة.
أحياناً يكون صوت المعارضة هو الذي يكشف الخلل، وأحياناً يكون النقد القاسي هو الذي يمنع الخطأ من التحول إلى كارثة.
لكن في المقابل، لا تجعلوا من الاختلاف مبرراً لتكسير كل الجسور.
جرادة مدينة صغيرة، وأبناؤها يعرف بعضهم بعضاً. ومن المؤسف أن يتحول خلاف عابر إلى قطيعة دائمة، وأن يتحول نقاش حول مشروع أو موقف أو قرار إلى عداوة شخصية تمتد إلى العائلات والأصدقاء والمعارف.
فمن سنستفيد عندما نحرق بعضنا بعضاً؟
هل ستتقدم جرادة عندما ينشغل أبناؤها بتصيد الأخطاء لبعضهم؟
هل ستُحل مشاكل البطالة والفقر والبنيات التحتية عندما تتحول النقاشات إلى معارك شخصية؟
هل ستأتي التنمية عندما يصبح كل رأي مخالف مشروع خصومة؟
الحقيقة هي أن أكبر خدمة يمكن أن نقدمها لمن لا يريد الخير لجرادة هي أن نترك أبناءها يتقاتلون فيما بينهم.
نختلف، نعم.
ننتقد، نعم.
نعارض، نعم.
لكن لا نهدم المدينة فوق رؤوسنا ونحن نظن أننا ندافع عنها.
جرادة تحتاج إلى معارضة مسؤولة، لا إلى خصومات شخصية. وتحتاج إلى نقد شجاع، لا إلى تصفية حسابات. وتحتاج إلى أبناء يجلسون حول طاولة واحدة رغم اختلافاتهم، لأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم.
علينا، أن نفهم أن الاختلاف ليس مرضاً، وأن المعارضة ليست خيانة، وأن الاعتراف بإنجازات الآخر لا يعني التنازل عن مواقفنا.
فالمدينة التي يحترم أبناؤها اختلافاتهم تستطيع أن تصنع مستقبلاً. أما المدينة التي يتحول فيها كل خلاف إلى حرب، فإنها تستنزف نفسها بنفسها.
جرادة لا تحتاج إلى أعداء جدد. لديها ما يكفي من التحديات.
فلنختلف… ولكن باحترام.
فلننتقد… ولكن بمسؤولية.
فلنعارض… ولكن دون حرق الجسور.
لأن جرادة في النهاية ليست ملكاً لفئة ولا لشخص ولا لجماعة.
جرادة لنا جميعاً… ومن يحرق جسورها اليوم، قد يحتاج إليها غداً.