مجتمع

جرادة… الموت يواصل حصد أرواح الباحثين عن “الرغيف الأسود”

بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي

مصرع الشاب خالد دعيوي داخل آبار الفحم الساندرية يعيد جرح المدينة المفتوح.

لم يكن الشاب خالد دعيوي يبحث عن مغامرة خارقة، بل كان يبحث فقط عن لقمة عيش في مدينة دفعت بالكثير من شبابها نحو باطن الأرض، حيث يتحول الفحم إلى قدر أسود، وتتحول الحياة إلى مقامرة يومية مع الموت.

 

حادث وفاة خالد داخل آبار الفحم الساندرية أعاد إلى الواجهة من جديد المأساة الصامتة التي تعيشها جرادة، المدينة التي أُغلقت فيها المناجم رسميًا، لكن أبواب الموت ما تزال مفتوحة على مصراعيها أمام شباب أنهكهم الفقر والبطالة والتهميش.

 

هناك، في الآبار العشوائية، لا وجود لشروط السلامة، ولا لحقوق تحمي العمال من النهاية المأساوية. فقط أجساد تنزل كل يوم إلى أعماق الأرض، على أمل أن تعود ببضعة دراهم تُؤجل الجوع ليوم آخر.

 

وفاة خالد ليست حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأرواح التي ابتلعها “الرغيف الأسود”، وسط تساؤلات تتكرر كل مرة: إلى متى سيظل شباب جرادة يُدفنون أحياء داخل آبار الفحم؟ وإلى متى سيبقى البحث عن العمل مرادفًا للموت في هذه المدينة المنسية؟

 

المشهد أصبح مألوفًا بشكل مرعب؛ صافرات الحزن، جنازات متتالية، وأمهات يودعن أبناءهن بقلوب مكسورة، فيما تستمر المعاناة في صمت ثقيل. فحين يغيب البديل الحقيقي، ويختنق الأمل، يصبح النزول إلى الآبار خيارًا قاسيًا يفرضه الواقع، لا الرغبة.

 

هناك، تحت الأرض، لا قوانين تحمي الأرواح، فقط ظلام دامس وأجساد تُدفن بصمت من أجل حفنة فحم لا تسمن ولا تغني من جوع.

 

 

جرادة اليوم ليست فقط مدينة منكوبة اقتصاديًا، بل مدينة تُنتج المآسي يوميًا. شبابها يُدفعون دفعًا نحو الموت بسبب واقع اجتماعي خانق، حيث أصبح النزول إلى “الساندريات” أشبه بتوقيع مسبق على احتمال عدم العودة.

ومع كل جنازة، تتكرر نفس عبارات الحزن، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقًا بلا جواب: من المسؤول عن استمرار هذا النزيف البشري.

رحم الله الفقيد خالد دعيوي رحمة واسعة، وألهم أسرته وذويه الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون. ☝️

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى