مجتمع
صرخة عمال الساندريات.. عندما يهزم غبار الفحم أجساد الشباب فيصبح الدواء ينافس رغيف الخبز

بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي
في جرادة، لا تنتهي مأساة “الرغيف الأسود” عند حدود البحث عن لقمة العيش داخل آبار الساندريات، بل تمتد لتتحول إلى معركة يومية بين البقاء على قيد الحياة وتأمين ثمن الدواء. هناك، حيث نزل مئات الشباب إلى أعماق الأرض هرباً من البطالة والفقر، خرج كثير منهم بأجساد منهكة ورئات أكلها غبار الفحم حتى بات التنفس نفسه مهمة شاقة.
شباب كانوا في مقتبل العمر، يمتلكون القوة والطموح، لكن سنوات العمل في ظروف قاسية وغياب أبسط شروط السلامة حولت أحلامهم إلى ملفات طبية وأوصاف علاجية لا تنتهي. بعضهم أصبح عاجزاً عن مواصلة العمل، وآخرون لم يعودوا قادرين حتى على المشي لمسافات قصيرة دون أن تداهمهم نوبات الإرهاق وضيق التنفس.
المأساة الحقيقية أن هؤلاء لم يخسروا وظائفهم فقط، بل خسروا أيضاً قدرتهم على تأمين مورد رزق ثابت. فبعدما كانوا يطاردون “الرغيف الأسود” في أعماق المناجم التقليدية، أصبحوا اليوم يطاردون علبة دواء قد تلتهم ما تبقى من دخل أسرهم الفقيرة. وهكذا يتحول السؤال اليومي داخل بيوت كثيرة من: “ماذا سنأكل؟” إلى “كيف سنشتري الدواء؟”.
إن ما يعيشه عدد كبير من عمال الساندريات السابقين ليس مجرد وضع اجتماعي هش، بل جرح إنساني مفتوح يكشف الثمن الباهظ الذي دفعه شباب المنطقة مقابل سنوات من العمل الشاق. فبين رئات أنهكها الفحم وأجساد استنزفها المرض، تتجسد صورة مؤلمة لشباب ضحوا بصحتهم من أجل لقمة العيش، ليجدوا أنفسهم في النهاية أمام واقع أكثر قسوة: لا عمل، ولا صحة، ولا ضمانات تحميهم من السقوط في دائرة الفقر والمرض.




