جريدة التحدي الإفريقي
بقلم رشيد اخراز جرادة
في كل مرة تخرج جهة رسمية لتحدث المغاربة عن “تحسن المؤشرات” و”ارتفاع نسب النمو” و”تراجع معدلات الفقر”، يشعر المواطن البسيط وكأنه يعيش في بلد آخر غير الذي تتحدث عنه التقارير الملونة والمؤتمرات المكيفة.
فالمغاربة الذين يطاردون لقمة العيش بين غلاء الأسعار، وارتفاع فواتير الماء والكهرباء، وأزمة الشغل، لا يرون في تلك الأرقام سوى محاولة لتجميل واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم.
معاناة الناس ليست نسباً مئوية تُعرض على الشاشات، بل هي أمّ تؤجل شراء الدواء حتى لا ينام أطفالها جائعين، وشاب يحمل شهادة جامعية لكنه يستهلك عمره في المقاهي أو في أبواب الهجرة السرية، وعامل بسيط يشتغل لساعات طويلة دون حماية اجتماعية أو أفق يضمن له كرامة التقاعد.
هذه ليست “حالات معزولة”، بل صورة حقيقية لمجتمع يئن تحت ضغط اقتصادي خانق، بينما لغة الأرقام الرسمية تحاول إقناع الجميع بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.
المؤلم أكثر، أن بعض المسؤولين أصبحوا يتعاملون مع المواطن كرقم أو ملف إداري، لا كإنسان له كرامة وحقوق وانتظارات.
يتم الحديث عن نسب البطالة وكأنها مجرد بيانات جامدة، بينما خلف كل نسبة آلاف القصص المؤلمة لشباب فقدوا الثقة في الوعود والشعارات.
ويتم الحديث عن الدعم الاجتماعي وكأنه “إنجاز تاريخي”، بينما الواقع يكشف أن فئات واسعة لا تزال عاجزة عن مواجهة أبسط متطلبات الحياة.
المغاربة اليوم لا يطالبون بالمستحيل، بل فقط بحياة تحفظ الكرامة، وعدالة اجتماعية حقيقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وسياسات تعترف بأن الإنسان أهم من الأرقام.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات، ليس الفقر وحده، بل اعتياد المسؤول على رؤية معاناة الناس كأرقام عابرة في جدول إحصائي.
وحين تتحول آلام المواطنين إلى مجرد بيانات تُستهلك في الخطابات، يصبح الصمت الرسمي أكثر قسوة من الأزمة نفسها.