بقلم: مصطفى الجمري – جريدة التحدي الإفريقي
تشكل الجماعات القروية بالمغرب إحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الترابية وتقريب الخدمات من المواطن، غير أن الواقع يكشف وجود تفاوت كبير في مستوى التدبير والتسيير بين جماعات استطاعت مسايرة التحولات الحديثة، وأخرى مازالت رهينة أساليب تقليدية يغيب عنها التخطيط والرؤية الواضحة.
لقد أفرزت السنوات الماضية نماذج متعددة داخل المجالس القروية، بعضها يقوده منتخبون راكموا تجربة ميدانية رغم محدودية مستواهم الدراسي، وبعضها الآخر بدأ يعرف صعود فئة جديدة من الأعضاء الشباب والمتعلمين وذوي الكفاءات العلمية والقانونية والتقنية، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: أين يكمن نجاح الجماعات القروية؟ هل في التجربة وحدها أم في المعرفة والتكوين؟
إن الواقع اليوم يؤكد أن المرحلة الحالية لم تعد تقبل التدبير العشوائي أو الارتجالي، لأن الجماعات أصبحت مطالبة بإعداد برامج تنموية، وتتبع المشاريع، والتعامل مع قوانين وصفقات وشراكات معقدة تحتاج إلى تكوين ومعرفة دقيقة بآليات التدبير الحديث. لذلك فإن وجود أعضاء يمتلكون ثقافة قانونية وإدارية ورؤية تنموية أصبح ضرورة وليس ترفاً.
لكن في المقابل، لا يمكن اختزال نجاح الجماعة فقط في الشهادات العلمية، لأن القرب من الساكنة وفهم خصوصيات العالم القروي والتواصل مع المواطنين عوامل أساسية لا تقل أهمية عن الجانب الأكاديمي. فالتنمية الحقيقية تنجح حين تلتقي التجربة الميدانية بالحكامة والمعرفة.
وإذا كان المستقبل البعيد قد يحمل تحولاً تدريجياً نحو نخب قروية أكثر تكويناً ووعياً، فإن الرهان الحقيقي اليوم يبقى هو المستقبل القريب لساكنة العالم القروي التي مازالت تنتظر أبسط الحقوق الأساسية، من طرق وماء صالح للشرب وإنارة ونقل ومدارس ومراكز صحية وفرص شغل تحفظ كرامة الشباب وتحد من الهجرة نحو المدن.
إن الساكنة القروية لم تعد تبحث عن الشعارات أو الوعود الموسمية، بل أصبحت تنتظر نتائج ملموسة على أرض الواقع، وترغب في منتخب قادر على الدفاع عن مصالحها داخل المؤسسات، وتتبع المشاريع، وجلب الاستثمارات، وتحقيق العدالة المجالية التي طال انتظارها.
فنجاح الجماعات القروية لا يقاس بعدد الاجتماعات أو الخطابات، بل بقدرتها على تغيير واقع المواطن القروي وتحويل القرية من فضاء للتهميش إلى مجال للحياة الكريمة والتنمية المستدامة. وبين عضو أمي يعتمد فقط على العلاقات التقليدية، وعضو متعلم يمتلك أدوات التسيير الحديث، يبقى الفيصل الحقيقي هو خدمة المواطن بصدق ونزاهة وكفاءة.