شهدت العاصمة الرباط، على هامش فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، نقاشاً فكرياً معمقاً جمع باحثين وخبراء من داخل المغرب وخارجه، تمحور حول التحولات المتسارعة التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، وما تحمله من أبعاد تنموية واستراتيجية.
وخلال هذا اللقاء، برز إجماع واضح على أن هذه الأقاليم تحولت إلى فضاء ديناميكي يعكس نموذجاً تنموياً متكاملاً، تتداخل فيه المشاريع الاقتصادية الكبرى مع رهانات جيوسياسية متنامية. كما اعتبر المتدخلون أن القرار الأممي الصادر في أواخر أكتوبر 2025 شكل نقطة تحول بارزة، بعدما عزز مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل السياسي الأكثر واقعية للنزاع.
وفي قراءة تاريخية لمسار القضية، استعرض أحد الخبراء الأوروبيين تطورها منذ مرحلة الاستعمار الإسباني إلى غاية السياق الدولي الراهن، مشيراً إلى أن مدينة الداخلة أضحت مركزاً استراتيجياً صاعداً، بفضل جاذبيتها الاقتصادية ودورها في تعزيز انفتاح المغرب على محيطه الإفريقي، خصوصاً نحو دول جنوب الصحراء.
من جانب آخر، ركزت مداخلات أكاديمية مغربية على أهمية الرؤية الاستراتيجية في تدبير هذا الملف، حيث تم التأكيد على أن المقاربة التي يقودها الملك محمد السادس ساهمت في إعادة صياغة القضية ضمن بعد جيوسياسي أوسع، ما انعكس في تطور مواقف عدد من الفاعلين الدوليين لصالح المبادرة المغربية.
أما على المستوى الدولي، فقد شدد دبلوماسيون سابقون على ضرورة انخراط النخب الفكرية والسياسية، خاصة في أمريكا اللاتينية، في فهم أعمق للسياق التاريخي والإقليمي للمغرب، مؤكدين أن تعزيز المعرفة بهذا الملف يساهم في استيعاب التحولات المتسارعة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية. كما تم إبراز الإمكانات الاقتصادية الواعدة لهذه المناطق، لا سيما في مجالات الطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق.
وفي هذا السياق، لم تقتصر مداخلات المشاركين على التشخيص، بل امتدت إلى تقديم توصيات عملية، حيث دعوا إلى تعزيز الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي كحل نهائي وواقعي للنزاع، وتكثيف التعاون مع الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية عبر شراكات اقتصادية وثقافية فاعلة. كما أكدوا على ضرورة الاستثمار في القطاعات المستقبلية، خاصة الطاقات النظيفة والاقتصاد البحري، وتشجيع البحث الأكاديمي والإعلامي لمواكبة التحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، إلى جانب دعم موقع الداخلة كجسر استراتيجي يربط المغرب بعمقه الإفريقي.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على أن وتيرة التنمية المتسارعة، مدعومة بالمكاسب الدبلوماسية الأخيرة، تعزز موقع المغرب وتكرس وجاهة مقترحه على الساحة الدولية.
ويُذكر أن المعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الحالية يعرف مشاركة واسعة لمئات العارضين من مختلف أنحاء العالم، مقدماً رصيداً معرفياً غنياً يعكس تنوع الإنتاج الثقافي والفكري عبر أكثر من 130 ألف عنوان.