أراء وأفكار وتحليل

عندما يتحوّل البرلمان إلى منصة للتحريض: كتالونيا على حافة اختبار أخلاقي

بقلم/ سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

لم تعد القاعة التشريعية في كتالونيا مجرّد فضاء للنقاش السياسي، بل تحوّلت في لحظة كاشفة إلى مسرح لانفلات خطير في الخطاب، يكاد ينسف ما تبقى من هيبة المؤسسات.

ما حدث لم يكن زلّة عابرة، بل صفعة مدوّية على وجه الديمقراطية، ورسالة مقلقة مفادها أن التطرف لم يعد يكتفي بالهامش… بل يقتحم القلب.

في جلسة خُصصت لمكافحة خطاب الكراهية في الرياضة، وقع ما يشبه الانفجار الأخلاقي.

النائب عن حزب فوكس، ألبرتو تاراداس، لم يكتفِ بتبرير هتافات معادية للإسلام، بل صعّد لهجته إلى مستوى الاستفزاز المباشر، موجهاً سهامه نحو النائبة ذات الأصول المغربية نجاة الدريوش، بعبارات تحمل في طياتها إقصاءً مبطناً وحنيناً مقلقاً إلى خطاب “إسبانيا المسيحية”.

لم يكن ذلك نقاشاً سياسياً… بل انزلاقاً فجّاً نحو خطاب يشرعن التمييز ويغذّي الانقسام.

ما قيل تحت قبة البرلمان أخطر بكثير مما يُقال في الشارع، لأنه يكتسب شرعية رمزية. حين يُستباح هذا الفضاء بخطاب إقصائي، فإن الخطر لا يكمن فقط في الكلمات، بل في الرسالة التي تُبعث إلى المجتمع:

أن الكراهية يمكن أن تُصبح رأياً، وأن التمييز يمكن أن يُمرَّر كوجهة نظر.

في مواجهة هذا الانحدار، جاءت نجاة الدريوش بردّ هادئ… لكنه كان أكثر قوة من أي صراخ.

بثبات واضح، أعادت التذكير بأن البرلمان ليس حلبة لتصفية الحسابات ولا منصة لاستعراض الأحقاد، بل مؤسسة تُبنى فيها السياسات على أسس الاحترام والمسؤولية.

لم ترد الإساءة بإساءة، بل كشفت ضعفها، وهذا بحد ذاته إدانة أشد وقعاً.

تحت ضغط العاصفة، تراجع تاراداس وقدم اعتذاراً. لكن الاعتذارات، مهما كانت صيغتها، لا تمحو أثر الكلمات حين تكون قد أُطلقت بالفعل. فالضرر هنا ليس شخصياً فقط، بل مؤسساتي… يمس صورة البرلمان وحدود المقبول داخله.
ردود الفعل السياسية لم تتأخر.

رئيس الحكومة الكتالونية، سلفادور إييا، وصف الواقعة بأنها تجسيد صارخ لخطاب الكراهية الذي يتغذى عليه اليمين المتطرف، فيما شدد أوريول جونكيراس على أن محاولات الترهيب العنصري لن تُسكت الأصوات الحرة، ولن تغيّر من حقيقة أن التعددية ليست خياراً… بل أساس.

ما جرى في كتالونيا ليس حادثة معزولة، بل جرس إنذار. حين يبدأ الخطاب السياسي في استثمار الخوف والانقسام، فإن الديمقراطية تدخل منطقة الخطر. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود أصوات متطرفة، بل في مدى تساهل المؤسسات معها.

الديمقراطية لا تُختبر في لحظات الإجماع، بل في كيفية تعاملها مع الانحراف.

إما أن تضع حدوداً صارمة تحمي كرامة الجميع، أو تفتح الباب أمام تطبيع الكراهية… وعندها، يصبح الانحدار مسألة وقت لا أكثر.

البرلمان ليس مجرد جدران …إنه رمز وأذا سقط الرمز سقط معه الكثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى