حوادث
حرائق أولاد سعيد.. عندما تكشف النيران هشاشة التدابير الاستباقية لحماية الأمن الغذائي(صور)

بقلم: مصطفى الجمري/ التحدي الإفريقي
لم تكن الحرائق التي اجتاحت حقول أولاد سعيد بإقليم سطات مجرد حادث عرضي عابر، بل شكلت جرس إنذار حقيقيا حول مدى جاهزية المنظومة الفلاحية لمواجهة الأخطار التي تهدد الأمن الغذائي الوطني. فبعد سنوات متتالية من الجفاف، وبعد أن استبشر الفلاحون خيرا بموسم فلاحي أفضل، جاءت النيران لتلتهم مئات الهكتارات من المحاصيل الزراعية في واحدة من أهم المناطق المنتجة للحبوب بالمغرب، مخلفة خسائر بشرية ومادية مؤلمة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى احتراق حوالي 800 هكتار من الأراضي الزراعية، إضافة إلى خسائر في الثروة الحيوانية وسقوط ضحايا ومصابين.
إن منطقة الشاوية ليست مجرد مجال فلاحي عادي، بل تعتبر من أهم الأحواض الزراعية بالمملكة، وظلت لعقود توصف بمطمورة المغرب لما تنتجه من كميات مهمة من الحبوب. لذلك فإن أي خسارة تطال هذه المنطقة يجب أن تُقرأ بمنظار استراتيجي يتجاوز الخسائر الفردية إلى تأثيرها على الأمن الغذائي الوطني.
ويطرح هذا الحدث أسئلة مشروعة حول فعالية التدابير الاستباقية المتخذة خلال موسم الحصاد، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد مخاطر الحرائق المرتبطة باستعمال الحصادات والجرارات والآليات الفلاحية. فهل توجد خرائط دقيقة للمناطق الأكثر عرضة للحرائق؟ وهل يتم توفير نقط مائية متنقلة ومعدات تدخل سريع بالقرب من الحقول الكبرى؟ وهل يتلقى مستعملو الآلات الفلاحية تكوينا منتظما حول إجراءات السلامة والوقاية؟
إن تجارب العديد من الدول الفلاحية تعتمد خلال موسم الحصاد على إلزامية توفر مطافئ الحريق داخل الجرارات والحصادات، وإحداث ممرات عازلة بين الحقول، وتنظيم دوريات مراقبة ميدانية، واعتماد أنظمة إنذار مبكر تعتمد على المعطيات المناخية. وهي إجراءات قد تحد من حجم الكارثة عند اندلاع أي حريق.
وفي هذا السياق، يبرز دور وزارة الفلاحة باعتبارها الفاعل المؤسساتي الرئيسي المكلف بمواكبة الفلاحين وتأطيرهم. فالتوعية والتحسيس لا ينبغي أن يقتصرا على اللقاءات الموسمية، بل يجب أن يتحولا إلى برامج ميدانية مستمرة تستهدف مستعملي الآلات الفلاحية والسائقين والعمال الموسميين، مع توفير دلائل مبسطة وإجراءات عملية للتدخل الأولي عند اندلاع الحرائق.
كما تفرض هذه الكارثة إعادة فتح ملف التأمين الفلاحي. فعدد مهم من الفلاحين الصغار والمتوسطين لا يتوفرون على تغطية تأمينية كافية، مما يجعلهم يواجهون الخسائر وحدهم. ورغم وجود برامج للتأمين الفلاحي بالمغرب مدعومة من الدولة في عدد من الزراعات والمخاطر المناخية، فإن العديد من الفلاحين ما زالوا يشتكون من محدودية التغطية أو ضعف التعويضات مقارنة بحجم الأضرار.
إن الدولة مطالبة اليوم بالتفكير في صندوق تضامن استثنائي لتعويض المتضررين من الحرائق الكبرى، خاصة أولئك الذين لا يتوفرون على تأمين، حفاظا على استمرارية النشاط الفلاحي وحماية للاستقرار الاجتماعي بالعالم القروي.
لقد أثبتت حرائق أولاد سعيد أن الرهان لم يعد فقط على توفير البذور والأسمدة والدعم التقني، بل أصبح رهانا على بناء منظومة متكاملة للوقاية من المخاطر الفلاحية، قادرة على حماية مجهود سنوات من العمل والاستثمار. فالأمن الغذائي لا يتحقق بالإنتاج وحده، بل كذلك بحماية ذلك الإنتاج من الضياع.
ويبقى السؤال معلقا: هل ستكون هذه المأساة فرصة لإعادة تقييم سياسات الوقاية والتأمين والتكوين الفلاحي، أم أنها ستنضم إلى سلسلة من الأحداث التي تثير النقاش ثم تُنسى مع مرور الوقت؟







