أراء وأفكار وتحليل

صفقات الحراسة في العيون… واجهة أمنية تُخفي اقتصاداً مختطفاً ولوبيات تُدير اللعبة من الظل

بقلم/ سيداتي پيدا/التحدي الإفريقي

خلف واجهة “الأمن الخاص” التي يُفترض أن تقوم على الانضباط والاحترافية، يتكشّف في مدينة العيون واقع أكثر قتامة، عنوانه الإقصاء الممنهج للمقاولات المحلية، وتغوّل شبكات مصالح تحوّل الصفقات إلى مجال مغلق لا يدخله إلا من يمتلك مفاتيح النفوذ.

في جهة تُسوَّق كنموذج للتنمية، يجد الفاعل المحلي نفسه محاصراً بشروط تعجيزية تُفرغ مبدأ المنافسة من معناه.

 

فدفاتر تحملات مُفصلة بدقة لإقصاء الصغار، ضمانات مالية مرهقة تستنزف ما تبقى من سيولة، ومساطر إدارية متشابكة لا تخدم إلا من راكموا القوة المالية والعلاقات. هكذا تتحول الصفقات العمومية إلى آلية انتقاء غير معلنة، تُقصي أبناء المنطقة وتُكرّس هيمنة شركات كبرى قادمة من خارجها.

المشكلة لم تعد تقنية أو ظرفية، بل بنيوية بامتياز. فحين يُحرم المقاول المحلي حتى من صفقات صغيرة، تُغلق أمامه أبواب التطور، ويُدفع قسراً نحو الهشاشة أو الإفلاس.

والأخطر أن هذا الوضع يُفرغ السوق من التعددية، ويُضعف جودة الخدمات، لأن الاحتكار لا يُنتج التميز بل يُغذّي الرداءة ويقتل روح المبادرة.

شهادات مهنيين من داخل القطاع تُجمع على أن “اللعبة محسومة سلفاً”، وأن ما يجري في الكواليس يتجاوز منطق المنافسة إلى منطق “تقاسم الكعكة”.

وسطاء، سماسرة، وترتيبات غير شفافة، كلها عناصر تُحوّل قطاع الحراسة إلى ساحة مغلقة تُدار بقواعد غير مكتوبة، بعيداً عن أعين الرقابة والمساءلة.

 

أما الثمن الحقيقي لهذا الاختلال، فيدفعه الاقتصاد المحلي واليد العاملة على حد سواء. فشركات لا تنتمي للنسيج الاقتصادي للجهة تستحوذ على الصفقات دون أثر يُذكر على التشغيل أو التكوين، بينما تُترك الكفاءات المحلية في حالة تهميش دائم، بلا أفق ولا دعم. أي منطق تنموي هذا الذي يُقصي أبناءه ويستورد خدماته؟

الوضع لم يعد يحتمل التجميل أو التأجيل. المطلوب اليوم ليس فقط إصلاحاً شكلياً، بل قراراً جريئاً يعيد ضبط قواعد اللعبة: شفافية حقيقية في إسناد الصفقات، تبسيط فعلي للمساطر، تخفيف عبء الضمانات المالية، وإقرار أولوية واضحة للمقاولة المحلية.

كما أن فتح تحقيقات جدية في شبهات الاحتكار والوساطة لم يعد خياراً، بل ضرورة لحماية ما تبقى من مصداقية.

إن استمرار هذا النزيف يعني شيئاً واحداً: تكريس اقتصاد ريعي مقنّع، يُكافئ القرب ويُعاقب الكفاءة.

 وفي مدينة بحجم طموحات العيون، هذا ليس مجرد خلل… بل فضيحة تنموية مكتملة الأركان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى