في ظلال مقبرة العيون، حيث يُفترض أن يسود الصمت والاحترام، انكشف مؤخراً لغز درامي يُعيد إلى الواجهة حقيقة مُرّة: اختراق حرمة الموتى عبر زجاجة صغيرة محشوة بصور وأوراق تحمل رموز طلاسم وسحر أغضبت النفوس وأشعلت شبكات التواصل الاجتماعي.
كانت حملة تنظيف مقبرة هي اللحظة التي تغيّر بها المشهد الهادئ، حينما عثر متطوعون على هذه الزجاجة المدفونة بين القبور. وبمجرد فتحها، انكشفت صورة شخص مجهول إلى جانب أوراق مكتوبة برموز غامضة يوحي بأنها مرتبطة بممارسات سحرية خطيرة. المشهد لم يكن مجرد حادثة عادية، بل اعتداء صارخ على قدسية المكان، فتح صفحة من الأسئلة عن مدى استفحال ظاهرة الشعوذة التي تسلب حيادية المكان المكرس للوقار والتأمل.
ما يجعل هذه الواقعة أكثر إثارة للقلق هو تداولها خلال شهر رمضان، الشهر الذي يفترض أن تعمّ فيه قيم الرحمة والتوبة والصدق. لكن ما حدث هو عكس ذلك تماماً: اقتحام لمقدسات دينية وأخلاقية، وانزلاق نحو خرافات قديمة تضعف نسيج المجتمع وتغذّي الجهل والرعب بلا مبرر.
لا توجد حتى الآن تصريحات رسمية تكشف عمق القضية أو تدحضها، لكن الأصوات الاجتماعية وانتقادات النشطاء تعكس حالة من الغضب والحيرة. كيف يمكن لمجتمع يحترم أمواته أن يسمح بمثل هذه الأفعال التي تَسفِل من كرامة الإنسان وتخدش مشاعر الأحياء؟
من الواضح أن هذه الزجاجة ليست سوى رمز لتدهور أخلاقي واجتماعي يستدعي وقفة حاسمة. ظاهرة الشعوذة والسحر بدأت تنتشر بشكل مُقلق، تُخفي وراءها ثقافة تخالف القيم الدينية والتقاليد الأصيلة. إنها لعبة خطيرة تهدد السلامة النفسية والروحية للمجتمع، وأداة لتعميق الانقسامات وهدر الوعي المجتمعي.
لا يمكن للمجتمع تقبل أن تتحول مقابرنا إلى ساحات للتجارب الغامضة أو بوابات لطقوس مظلمة شوهت حرمة الموتى. فمن واجبنا إطلاق حالة من اليقظة والحساسية، نصمد أمام كل محاولة لإرجاع الظلام إلى وسط نور العلم والدين.
إنها دعوة صريحة لكل فرد وفاعلية في أرضنا لمحاربة الخرافة، وتمسك بالقيم السامية التي تحفظ لنا إنسانيتنا وكرامتنا، فالضمير الحي والوعي العميق هما الحصن الذي يمنع تحوّل هذه الأفعال إلى واقع مؤلم ومُزمن.
حان الوقت لنجعل من قضية زجاجة الطلاسم رسالة تقف عندها قيمنا، ودرعاً يحمي حرمة الأموات، وسداً يمنع استباحة أي مساحة من إنسانيتنا المشتركة. ما حدث في مقبرة العيون هو جرس إنذار لا يحتمل التهاون، ويجب أن يكون نقطة انطلاق لحملة وعي وتربية فعّالة تخترق غياهب الجهل والخرافة بكل حزم وقوة.