ثقافة

منع رواية في العيون حين ترتبك السلطة أمام سؤال الأدب

 

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

لم يكن أحد يتوقع أن يتحول حفل توقيع رواية “وكر الجواسيس” إلى شرارة جدل واسع في مدينة العيون.

نشاط ثقافي بسيط داخل مقر جمعية الشراع، سرعان ما انتهى بقرار منع مفاجئ، أُبلغت به الجهة المنظمة شفوياً، وسط حضور عناصر من القوة العمومية، بدعوى غياب إشعار مسبق.

 

لكن ما بدا إجراءً إدارياً عادياً في ظاهره، حمل في عمقه رسائل مربكة. فهل تخيف رواية إلى هذا الحد؟ وهل أصبح النص الأدبي مجالاً للارتياب بدل أن يكون فضاءً للنقاش؟

قرار المنع، وفق متابعين، لم يطفئ الحدث بل أشعل فضوله. ففي لحظة واحدة، انتقلت “وكر الجواسيس” من عمل أدبي محدود التداول إلى عنوان يتردد في المجالس والمنصات، وأصبحت الأسئلة أكبر من الرواية نفسها:

ماذا كُتب فيها؟ وما الذي أقلق السلطات؟ وهل نحن أمام حساسية مفرطة تجاه كل ما يلامس السياسة، حتى لو جاء في قالب تخييلي؟

مؤلف العمل، حمودي بيباه، ليس اسماً عابراً في الحقل الأكاديمي. شاب متخصص في القانون الدستوري والعلوم السياسية، راكم تكويناً جامعياً مشهوداً له.

وروايته، بحسب من اطلعوا عليها، لا ترفع شعارات ولا تحرض على شيء، بل تنبش في أعماق النفس البشرية، وتفكك ظاهرة الخيانة والتخابر من زاوية أخلاقية ونفسية، معتبرة أن الانحراف لا يولد دائماً من المال أو السياسة، بل من عقد دفينة وصراعات داخلية.

الرواية تطرح سؤال التحول: كيف يمكن لشخص هامشي أن يصبح لاعباً مركزياً؟ كيف تصنع المواقف الفردية مساراً عاماً؟ وكيف قد يقلب الإخلاص أو الوعي موازين القوى؟ إنها أسئلة فكرية، لكنها في زمن التوجس قد تُقرأ بعيون مرتابة.

المفارقة أن جهة الصحراء تعيش اليوم على إيقاع خطاب رسمي يدعو إلى ترسيخ أجواء الانفتاح وتوسيع هامش حرية الرأي. وفي هذا السياق، بدا قرار المنع متناقضاً مع روح المرحلة، وكأنه ارتداد إلى منطق التحوط المفرط بدل الثقة في نضج المجتمع.

السلطة، أي سلطة، تخشى دائماً ما لا يمكن ضبطه بالكامل. والفكر بطبيعته عصيّ على الضبط. غير أن التاريخ يعلّمنا أن منع كتاب لا يلغي فكرته، بل يمنحها حياة إضافية. الكلمة التي تُحاصر تتحول إلى سؤال عام، والسؤال حين ينتشر يصبح أقوى من أي قرار إداري.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: لماذا مُنع التوقيع؟ بل: لماذا نخشى أن نختلف حول رواية؟ ففي فضاء يُفترض أنه يتسع للرأي والرأي الآخر، لا ينبغي أن يتحول الأدب إلى تهمة، ولا النقاش إلى خطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى