تربية وتعليم

النقل المدرسي بجماعة لغنيميين: حين يتحول الإهمال إلى مصنع للهدر والانحراف

بقلم مصطفى الجمري/التحدي الإفريقي

في عمق المجال القروي لجماعة لغنيميين، وتحديدًا بدواري الحكاكمة والنواصرة، تتكرر يوميًا مأساة صامتة أبطالها تلاميذ أبرياء، ذنبهم الوحيد أنهم وُلدوا في الهامش الترابي، خارج حسابات التخطيط والإنصاف.

هؤلاء التلاميذ الذين كان يفترض أن يكونوا داخل الفصول الدراسية، يتلقون العلم والمعرفة، يجدون أنفسهم في كثير من الأيام خارج أسوار المؤسسات التعليمية، ليس بإرادتهم، بل بسبب غياب وسيلة نقل مدرسي تضمن لهم حقهم الطبيعي في التمدرس.

إن غياب النقل المدرسي لا يعني فقط تعثرًا لوجستيًا، بل يفتح الباب أمام واقع أخطر. فحين لا يتمكن التلميذ من الالتحاق بمؤسسته، يصبح عرضة للضياع بين مركز لغنيميين والدواوير المجاورة، يقضي وقته في التسّكع، دون تأطير أو توجيه.

ومع تكرار هذا المشهد، تتحول الهشاشة إلى بيئة خصبة لكل أشكال الانحراف، من سلوكات عدوانية، إلى التحرش، وصولًا إلى خطر السقوط في مستنقع المخدرات، التي تتربص بكل فراغ، وتستغل كل غياب للرقابة والتأطير.

إننا أمام خطر حقيقي لا يهدد أفرادًا فقط، بل يهدد مستقبل منطقة بأكملها. لأن التلميذ الذي يُحرم اليوم من الدراسة، هو نفسه الشاب الذي سيجد نفسه غدًا خارج سوق الشغل، فاقدًا للأمل، وربما عنصرًا ضمن دائرة الفقر والجريمة. وهكذا، يتحول الإهمال البسيط في ظاهره إلى سبب مباشر في إنتاج جيل فاقد للفرص، مما ينعكس سلبًا على التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويعمّق الفوارق المجالية بدل أن يقلصها.

إن المسؤولية في هذا الوضع لا يمكن أن تبقى معلقة في الفراغ. فهي مسؤولية مشتركة تتحملها السلطات المختصة، ورئيس الجماعة، وجمعية آباء وأولياء التلاميذ، وكذا الجمعية المسيرة لشأن النقل المدرسي.

فالتقاعس عن معالجة هذا الخلل لا يعني فقط تجاهل مشكلة تقنية، بل يعني المساهمة غير المباشرة في دفع المنطقة نحو مزيد من الفقر والتهميش والانحراف، وتقويض أسس التنمية التي تبدأ أولًا من المدرسة.

إن هذا المقال ليس اتهامًا، بل هو تنبيه صريح ونداء مسؤول، لأن إنقاذ التلاميذ اليوم هو إنقاذ لمستقبل المنطقة غدًا. فالتنمية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بعدد الأطفال الذين يصلون إلى مدارسهم بكرامة وأمان. وأي تقصير في هذا الحق هو تقصير في حق المجتمع بأكمله.

إن أبناء الحكاكمة والنواصرة لا يطلبون امتيازًا، بل يطالبون بحق بسيط وعادل: وسيلة نقل تقودهم إلى المدرسة، بدل أن تتركهم في طرق الضياع. والمسؤولية اليوم أمام الجميع، والتاريخ لا يرحم من صمت حين كان الواجب يفرض عليه أن يتحرك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى