أراء وأفكار وتحليل

عندما تتكلم الحقيقة… تسقط الأقنعة

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

ليست كل الخطب متشابهة، كما ليست كل الكلمات بلا أثر. هناك كلمات تُحضر بعناية، تلمع في مكاتب مكيفة، وتُلقى أمام الكاميرات بثقة زائفة، ثم تتبخر فور انتهاء التصفيق.

وهناك كلمات أخرى، تولد خارج النص، بلا ورق ولا حسابات، لكنها تصيب العمق وتكشف ما أُريد له أن يظل مخفيًا. في السمارة، لم يكن الحدث لقاءً رسميًا ولا عرضًا مؤسساتيًا، بل كلمة عفوية واحدة، قلبت المشهد وعرّت واقع الاستثمار بالإقليم.

في قاعة ضمّت وزيرًا، ووالي جهة، ورئيس جهة، ومدير مركز جهوي، وبرلمانيين، اختارت الفاعلة الجمعوية الحسينة الباد قالت ما لم يقله أحد. لم تهادن، لم تلتف على المعنى، ولم تستعمل لغة الخشب التي يتقنها المسؤولون.

بكلمات بسيطة صادقة وصادمة، رسمت صورة إقليم يعاني في صمت مدينة حدودية تركت لتواجه مصيرها وحدها ركود اقتصادي، بطالة خانقة، وانعدام شبه كلي لمشاريع إنتاجية حقيقية.

 

السمارة، التي يسميها أبناؤها “مدينة الأشباح”، ليست فقيرة في الإمكانيات، بل فقيرة في الإرادة السياسية. المفارقة المؤلمة أن تشخيص هذا الواقع جاء من مواطنة لا تملك سلطة ولا ميزانية، بينما اكتفى أصحاب القرار بخطابات عامة، مطاطية، لا تزعج أحدًا ولا تُحرج سياسات فاشلة امتدت لسنوات. كأن المطلوب هو ملء الوقت بالكلام، لا فتح الجراح ولا علاجها.

 

الأزمة أعمق من ضعف الاستثمار؛ إنها أزمة قناعة. كم من ملتقى عُقد باسم التنمية؟ كم من قافلة مرت والتُقطت لها الصور؟ كم من مسؤول زار وغادر دون أن يترك خلفه مصنعًا واحدًا أو فرصة عمل حقيقية؟ ميثاق الاستثمار، مهما بدا طموحًا في الوثائق، يظل حبرًا على ورق ما لم يلمسه شاب عاطل في السمارة، لا في عرض “باوربوينت” ولا في تصريح إعلامي.

 

نداء الحسينة الباد لم يكن موجّهًا للدولة وحدها، بل أيضًا لأبناء الإقليم من رجال الأعمال والمقاولين، ولأثرياء الجهة الذين يفضلون الاستثمار في مدن بعيدة وينسون مسقط الرأس. الاستثمار ليس منّة، ولا صدقة موسمية، بل مسؤولية أخلاقية وتنموية تجاه أرض صنعت الثروة والاسم.

 

عندما تصبح كلمة ارتجالية أكثر قوة من خطاب وزير، فالمشكل ليس في البلاغة، بل في الصمت الطويل. السمارة لا تحتاج مزيدًا من الزيارات البروتوكولية، بل قرارات شجاعة تُنهي زمن التهميش. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل الحقيقة، حين تقال بصدق، أقسى وأبلغ من كل الخطب الرسمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى