بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي
تشهد مدينة العيون، منذ أشهر، تصاعدًا مقلقًا لظاهرة انتشار أشخاص يعانون من اضطرابات عقلية ويتجولون في الشوارع والأحياء السكنية في أوضاع إنسانية مأساوية، دون أي تدخل يُذكر من الجهات المعنية.
آخر هذه الوقائع ما شهده حي 84، حيث شوهد شخص يعاني من اضطراب عقلي يتجول دون ملابس، مثيرًا الفزع والهلع في صفوف المواطنين، خصوصًا النساء والأطفال، في مشهد يعكس حجم الإهمال والتقصير المؤسساتي.
هذه الحادثة ليست معزولة، بل تندرج ضمن سياق عام بات يهدد السلم الاجتماعي والصحة العامة. فعدد المشردين والمصابين بأمراض عقلية في تزايد ملحوظ، لا سيما خلال هذا الفصل من السنة، حيث البرد القارس، والعواصف المصحوبة برياح قوية، وتساقطات مطرية، وتقلبات جوية قاسية تجعل أوضاعهم أكثر خطورة، وتحوّل الشارع إلى فضاء غير آمن للجميع.
إن ترك هؤلاء الأشخاص في العراء، دون رعاية أو متابعة طبية أو اجتماعية، لا يُعد فقط انتهاكًا صارخًا لكرامتهم الإنسانية، بل يشكل كذلك خطرًا حقيقيًا على المواطنين. فغياب التأطير والعلاج قد يؤدي إلى سلوكيات غير متوقعة، تُربك الحياة اليومية وتزرع الخوف في النفوس، في وقت يفترض فيه أن تتكفل الدولة ومؤسساتها بحماية الجميع دون استثناء.
وهنا يطرح الرأي العام تساؤلات مشروعة: أين هي الجمعيات الحقوقية؟ وأين القيمون عليها؟ وأين دور السلطات المحلية والقطاعات الوصية في مواجهة هذه الظاهرة التي لم تعد خفية ولا عرضية؟ كيف يعقل أن تستمر المدينة في مشاهدة هذه المشاهد المؤلمة دون توفير مراكز إيواء متخصصة، أو تفعيل آليات الرعاية النفسية والاجتماعية، أو حتى وضع خطة استعجالية للتدخل؟
إن الحلول الترقيعية أو سياسة غضّ الطرف لم تعد مقبولة. المطلوب اليوم هو إرادة حقيقية، وتنسيق فعلي بين الجماعات المحلية، وقطاع الصحة، والتضامن الاجتماعي، والمجتمع المدني، من أجل إحداث مراكز إيواء لائقة، وتوفير العلاج والمتابعة، وصون كرامة هؤلاء الأشخاص، وحماية المجتمع في الآن نفسه.
فكرامة الإنسان لا تتجزأ، وأمن المواطنين ليس مجالًا للتهاون. والصمت عن هذه الظاهرة لم يعد خيارًا، بل تواطؤًا غير معلن مع واقع مؤلم يسيء للمدينة وسكانها على حد سواء.