المستجدات الإفريقية
بين خطاب الديمقراطية وواقع المصالح: قراءة في تحولات الساحل الإفريقي

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي
يُثير صعود الكابتن إبراهيم تراوري، الرئيس العسكري لبوركينا فاسو البالغ من العمر سبعة وثلاثين عامًا، نقاشًا واسعًا يتجاوز حدود بلاده ليطال بنية العلاقات بين إفريقيا والغرب، ويعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل تُعارض القوى الغربية الانقلابات حقًا، أم أنها تُعارض ما يهدد منظومة مصالحها؟
على امتداد أكثر من ستة عقود، شكّلت منطقة الساحل مسرحًا لعلاقة غير متكافئة مع فرنسا، حيث استُبدلت أشكال الاستعمار المباشر بترتيبات سياسية واقتصادية أكثر نعومة، لكن لا تقل أثرًا. فقد حظي عدد من القادة الذين حكموا بقبضة من حديد بدعم سياسي وأمني غربي، طالما حافظوا على انسجام سياساتهم مع أولويات باريس والعواصم الغربية.
لم تكن الديمقراطية معيارًا حاسمًا بقدر ما كانت “الاستقرار” الذي يضمن تدفق الموارد وحماية النفوذ.
من بوركينا فاسو إلى تشاد وتوغو، تُظهر التجربة أن الاستبداد كان مقبولًا، بل ومحتفى به أحيانًا، حينما أدى وظيفته في النظام الدولي القائم. انتخابات شكلية، موارد تُستخرج، وشعوب تُهمّش، فيما تُغذّي ثروات المنطقة اقتصادات بعيدة. في تلك السياقات، ساد الصمت، وغابت العقوبات، وتوارى خطاب القيم.
غير أن المشهد تبدّل مع موجة الانقلابات الأخيرة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. لم يكن التحول مجرد تغيير في الوجوه، بل إعلانًا عن رغبة في إعادة تعريف السيادة، وقطع ما اعتُبر “حبلًا سريًا” يربط الاقتصادات المحلية بترتيبات نقدية وأمنية موروثة. هنا، تغيّر الخطاب الغربي على نحو لافت: فُرضت العقوبات، عُلّقت المساعدات، وتقدّم الدفاع عن الديمقراطية إلى واجهة السرد.
في هذا الإطار، يُقدَّم إبراهيم تراوري بوصفه رمزًا لتيار سيادي جديد، يتحدث بلغة عموم إفريقية، ويسعى إلى تنويع الشراكات نحو روسيا والصين وتركيا. هذا التحول، أكثر من كونه مسألة حكم داخلي، يُنظر إليه كإعادة توزيع لموازين النفوذ، وهو ما يفسر حدّة ردود الفعل الدولية.



