دولية

ترامب يضغط على إسبانيا من دافوس ويعيد فتح ملف الإنفاق العسكري

من دافوس، اختار دونالد ترامب توقيتًا ومنبرًا ورسالة واضحة. الرئيس الأمريكي أعاد توجيه سهامه نحو إسبانيا، مطالبًا إياها برفع إنفاقها العسكري إلى 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في سقف يتجاوز بكثير ما هو معمول به داخل حلف شمال الأطلسي. مطلب يبدو، في جوهره، أقل ارتباطًا بالأرقام وأكثر تعبيرًا عن مقاربة تقوم على الضغط وإعادة ترتيب موازين العلاقة مع الحلفاء الأوربيين.
تصريحات ترامب لم تكن عفوية. دافوس، بما يحمله من رمزية وتأثير إعلامي، يحول أي موقف ثنائي إلى إشارة موجهة للقارة بأكملها. إسبانيا هنا ليست سوى نقطة ارتكاز، فيما الخطاب يستهدف دولًا أوربية يُنظر إليها في واشنطن باعتبارها مستفيدة من المظلة الأمنية الأمريكية دون تحمّل كلفة موازية.
الرقم الذي طرحه ترامب يشكل قطيعة واضحة مع السقف المعتمد داخل الحلف. أغلب دول “الناتو” ما تزال تكافح لبلوغ نسبة 2 في المائة التي تم الاتفاق عليها في قمة ويلز سنة 2014. إسبانيا، بإنفاق يناهز 2.1 في المائة، تظل ضمن المعدل الذي تعتبره المؤسسات الأطلسية مقبولًا. رفع السقف إلى 5 في المائة لا يعكس نقاشًا تقنيًا بقدر ما يفرض منطقًا حسابيًا صارمًا للعلاقات الأمنية.
مدريد ردّت بحزم محسوب. وزير الاقتصاد كارلوس كويربو رفض أي منطق يقوم على الإملاء المالي، فيما شدد وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس على أن الالتزام الأمني لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بالانتشار الميداني والقدرات العملياتية والمشاركة الفعلية في المهام الدولية.
وعلى هذا المستوى، تمتلك إسبانيا عناصر دفاع قوية. نحو ثلاثة آلاف جندي إسباني يشاركون في عمليات تابعة لحلف الأطلسي والأمم المتحدة. مدريد حاضرة في أوربا الشرقية، ناشطة في البحر الأبيض المتوسط، منخرطة في مهام إفريقية، وعززت حضورها في مناطق ذات أهمية استراتيجية مثل القطب الشمالي وغرينلاند. مساهمة عملية تتجاوز القراءة المحاسبية الصرفة.
عبارة ترامب «سنتحدث مع إسبانيا» حملت طابع الإنذار أكثر من الدعوة إلى الحوار. هي امتداد لرؤية تقوم على التعامل مع الأمن الدولي بمنطق تبادلي، حيث تتحول الحماية إلى فاتورة، والتحالف إلى عقد قابل لإعادة التفاوض. مقاربة تصطدم بالرؤية الأوربية التي تربط الأمن بالتوازن بين التضامن، والقدرات الواقعية، والالتزامات الاجتماعية.
في مدريد، يظل العامل الاقتصادي حاسمًا. رفع الإنفاق العسكري إلى هذا المستوى يعني اختلالًا عميقًا في التوازنات الميزانياتية، يصعب التوفيق بينه وبين الالتزامات المرتبطة بالصحة والتعليم والتماسك الاجتماعي. هذا التقدير لا يقتصر على إسبانيا وحدها، بل تتقاسمه عواصم أوربية عدة.
الملف يكشف أيضًا توترًا بنيويًا داخل العلاقة عبر الأطلسي. أوربا ما تزال تعتمد على المظلة الأمريكية، لكنها ترفض أن تتحول هذه الحماية إلى وصاية مالية غير معلنة. ترامب يستثمر هذا التناقض، مستفيدًا من تباينات داخلية أوربية، ومستهدفًا دولًا يرى أنها أقل قدرة على المواجهة السياسية.
خلف الجدل مع إسبانيا، يبرز سؤال أوسع يتعلق بقدرة الاتحاد الأوربي على بناء تصور دفاعي مستقل وذي مصداقية. ما دامت المنظومة الدفاعية الأوربية مجزأة، ستظل واشنطن ممسكة بإيقاع الشروط وحدودها. دافوس، في هذه المحطة، لم يكن فضاءً دبلوماسيًا بقدر ما كان مسرحًا لاستعراض القوة.
الصورة باتت أوضح. ترامب لا يناقش المبادئ، بل يفرض أرقامًا. أوربا، في المقابل، تبحث عن لغة مشتركة للرد. وبين تأكيد السيادة واستمرار الاعتماد، تتسع المسافة. وإسبانيا تجد نفسها، هذه المرة، في الواجهة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى