حوادث

عندما تنقلب الرياضة إلى فوضى: من نهائي أمم إفريقيا إلى مأساة إنسانية في داكار

 

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

لم تكن كرة القدم، في أصلها، سوى لعبة تجمع الشعوب وتُقرب بينها، وتفتح نوافذ للفرح والتنافس الشريف. غير أن ما أعقب نهائي أمم إفريقيا بين منتخبي السنغال والمغرب كشف، مرة أخرى، كيف يمكن للرياضة أن تنقلب إلى وقود للفوضى حين تُفرغ من روحها، ويُزجّ بها في دهاليز التسييس والتحريض والانفعال غير المسؤول.

فبعد صافرة النهاية، لم تتوقف المباراة عند حدود المستطيل الأخضر، بل امتدت توابعها إلى الشارع، حيث سُجّلت مظاهر فوضى واحتجاجات وسلوكيات لا تمت للرياضة بصلة. اتهامات متبادلة، توتر إعلامي، وممارسات من بعض المحسوبين على المنتخب السنغالي وطاقمه الفني، ساهمت في إذكاء الاحتقان، حتى بات المشهد أقرب إلى أزمة دبلوماسية صامتة، ومناوشات غير مباشرة بين بلدين يجمعهما تاريخ من الاحترام والتعاون.

في خضم هذا المناخ المشحون، جاءت الفاجعة الإنسانية التي هزّت الضمير: وفاة الشاب مصطفى ولد سعيد باني، ابن مدينة العيون، في شقته بالعاصمة السنغالية داكار. شاب في مقتبل العمر، يدرس الطب في سنته الأخيرة، كان على بعد خطوات من تحقيق حلمه بالحصول على شهادة الدكتوراه، فإذا بالحلم ينطفئ فجأة، في ظروف مؤلمة لا يمكن فصلها عن سياق عام اتسم بالتوتر والاضطراب.

الفقيد، المنحدر من قبيلة أيت لحسن، لم يكن طرفاً في صراع ولا مشجعاً متعصباً، بل طالب علم، حمل حقيبة الطب وأملاً في خدمة الإنسان.

ووفق ما أكده شقيقه عبد السلام باني، كان مصطفى منشغلاً بدراسته، ينتظر التخرج والعودة بما تعلمه إلى مجتمعه. رحيله يطرح أسئلة ثقيلة حول مسؤولية الخطاب الرياضي، وحدود الانفلات، وكلفة التحريض حين يتحول الجمهور إلى رهينة للغضب الأعمى.

إن تحويل مباراة كرة قدم إلى ساحة لتصفية الحسابات، أو منصة لتغذية العداء، جريمة أخلاقية قبل أن تكون خطأ رياضياً. فالرياضة، حين تفقد إنسانيتها، تصبح أداة هدم لا بناء.

وما حدث يستدعي وقفة صريحة من الاتحادات، والإعلام، والنخب، لوضع حد للتسييس المفرط، وتجريم كل سلوك يهدد السلم والأرواح.
رحيل مصطفى ليس رقماً عابراً، بل جرس إنذار: كفى عبثاً باسم الرياضة، وكفى صمتاً أمام الفوضى.

فالإنسان أولاً، واللعبة مهما عظمت تبقى مجرد لعبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى