في مشهد يختزل التناقض الصارخ بين شعارات الرياضة وواقعها، تبرز أزمة التأشيرات الأميركية كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل قبيل كأس العالم. لم يعد الطريق إلى المدرجات مفروشاً بالحماس والانتماء، بل أصبح محكوماً بشرط مالي فادح: إيداع ضمان يصل إلى 15 ألف دولار، وكأن الانتماء الكروي تحول فجأة إلى امتياز مصرفي.
هذه السياسة، التي تندرج ضمن ما يسمى “برنامج تأشيرة الضمان التجريبي”، لا يمكن التقليل من خطورتها أو تبريرها بخطاب إداري بارد. فهي تستهدف عملياً مواطني عشرات الدول، من بينها دول إفريقية تأهلت بجدارة إلى النهائيات، مثل السنغال، تونس، ساحل العاج، والرأس الأخضر. النتيجة واضحة وصادمة جماهير تستبعد لا لشيء سوى لأنها لا تملك القدرة على الدفع.
إن الحديث عن الأمن والهجرة هنا يبدو أقرب إلى ستار هش يخفي خلفه منطقاً إقصائياً صارخاً. فحين يُربط الحق في الحضور بشرط مالي تعجيزي، فإننا أمام نموذج فجّ من التمييز الاقتصادي، يُعيد إنتاج الفوارق العالمية داخل فضاء يفترض أنه الأكثر شمولاً وانفتاحاً.
الأدهى من ذلك، أن التحركات الجارية خلف الكواليس تكشف خللاً أعمق في بنية القرار الرياضي الدولي. فمحاولات إعفاء اللاعبين والوفود الرسمية من هذه القيود، دون معالجة وضع الجماهير، تعكس رؤية قاصرة تختزل البطولة في من هم داخل الملعب، وتتجاهل عمداً من يمنحها معناها الحقيقي خارجه.
بهذا المنطق، يتحول كأس العالم من احتفال كوني إلى عرض انتقائي،تصفّى فيه الحشود وفق معايير القدرة المالية، لا وفق شغفها أو انتمائها. إنها لحظة فارقة تضع الهيئات المنظمة والدولة المستضيفة أمام مسؤولية لا تقبل المواربة: إما حماية جوهر اللعبة، أو القبول بتشويهها.
ما يحدث اليوم ليس إجراءً عابراً، بل سابقة خطيرة قد تعيد رسم ملامح العلاقة بين الرياضة والجمهور. وإذا استمر هذا النهج دون تصحيح جذري، فإننا لن نكون أمام كأس عالم، بل أمام نسخة مشوّهة منه بطولة تلعب في الملاعب، لكنها تقصى من قلوب الملايين.
في النهاية، لا يمكن لأي حدث أن يدّعي العالمية وهو يفرض “رسوم عبور” بهذا الحجم. العدالة هنا ليست خياراً، بل ضرورة، وأي تهاون في حمايتها هو إعلان صريح بأن كرة القدم، بكل تاريخها، أصبحت رهينة لمن يملك لا لمن يحب.