بعد 7 سنوات من الجفاف، شهد المغرب أمطارا غزيرة خلال الأشهر الماضية، أخرجت البلاد من أزمة كادت تعصف بالمجال الزراعي الذي يشكل عمودا هاما من أعمدة الاقتصاد في البلاد.
وتلعب الأمطار دورا محوريا للزراعة في المغرب والتي تساهم بشكل كبير في نمو اقتصاد البلاد، وترتبط بمختلف القطاعات، خاصة مجال الصناعات الغذائية التي يصدر جزاء كبير منها إلى الخارج.
وزير التجهيز والماء المغربي نزار بركة، أعلن في 12 يناير الجاري، خروج بلاده من مرحلة الجفاف التي استمرت 7 سنوات.
وفي كلمة أمام مجلس النواب، قال بركة إن المغرب سجل معدل أمطار بلغ 108 ملم في الفترة الممتدة من مطلع شتنبر 2025 وحتى 12 يناير 2026.
وأوضح أن هذه الكمية تمثل ارتفاعا بنسبة 95 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، مشيرا إلى أن السنة الجافة تُصنف حين تكون الأمطار أقل من المعدل الطبيعي بـ20 بالمئة.
محطة ايجابية
الخبير المغربي بمجال البيئة جمال أقشباب، أوضح للأناضول أن التغيرات المناخية المتسارعة في المغرب « تجعل من الصعب الجزم بأن التساقطات المطرية الأخيرة تمثل نهاية فعلية لمرحلة الجفاف، بل تظل محطة ظرفية إيجابية لا تكفي وحدها للحكم على تحول مناخي مستدام ».
وأضاف: « المعطيات المناخية والتاريخية تشير إلى أن الجفاف في المغرب ذو طابع بنيوي وهيكلي، إذ عرف البلد عبر تاريخه تعاقب فترات جفاف وأخرى مطيرة بشكل دوري ».
وأوضح أن « الجفاف لا يزال إشكالا بنيويا وهيكليا، يتطلب سياسات مائية واستراتيجيات تكيف طويلة المدى، بدل الاكتفاء بقراءة ظرفية للتساقطات الأخيرة ».
وينعكس الجفاف بتداعيات سلبية على اقتصاد المغرب، لا سيما قطاع الزراعة، الذي يُشكل العمود الفقري للناتج المحلي، ويوفر مصدر دخل لنحو 40 بالمئة من اليد العاملة، وفق بيانات وزارة الفلاحة.
وفي السياق، قال وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية أحمد البواري، في لقاء وزاري بالعاصمة الرباط في يناير الجاري، إن للأمطار الأخيرة وقع إيجابي على الموسم الزراعي في المغرب.
وأشار إلى أن الأمطار تبشر بعرض وافر وبجودة عالية لمختلف المنتجات، حيث ستكون أسعار المواد الغذائية « مناسبة وفي المتناول وتراعي القدرة الشرائية للمواطنين، بفضل تحسن الظروف المناخية ووفرة الإنتاج ».
دروس الماضي
الخبير المغربي نبّه إلى عدم تكرار الأخطاء التي ارتكبت خلال الفترات المطرية السابقة، خاصة عامي 2014 و2015.
وأوضح أن المغرب شهد بتلك الفترة تساقطات غزيرة ساهمت في ارتفاع منسوب السدود والأنهار وغيرها من الموارد المائية، غير أن التدابير المعتمدة آنذاك أفضت إلى هدر وتبذير كبيرين للمياه، من خلال التوسع في أنماط زراعية شديدة الاستهلاك للماء، دون مراعاة لمحدودية الموارد واستدامتها.
وقال أقشباب: « انعكس هذا الوضع سلبا على الأمن المائي، حيث عانت عدة مناطق بالمغرب من نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، فضلا عن تراجع الموارد المائية السطحية التي تشكل أساسا للزراعات الاستراتيجية ».
وتبعا لذلك، يرى أن « الرهان اليوم لا يقتصر على الاستفادة الظرفية من وفرة المياه، بل يتمثل في إرساء استراتيجية مائية عقلانية ومستدامة تقوم على التخزين، والتدبير الرشيد، وربط السياسات الفلاحية بالقدرة الحقيقية للموارد المائية ».
وقال أقشباب إن « الإشكال الجوهري لا يكمن في حجم التساقطات، بل في كيفية تدبيرها ».
ودعا إلى « اعتماد استراتيجية عقلانية ومستدامة لإدارة الموارد المائية » في المغرب.
رهان استراتيجي
وقال الخبير المغربي إن الاستراتيجية ينبغي أن تقوم على تثمين الموارد المائية وتوجيهها بالدرجة الأولى نحو تحقيق الأمن المائي وضمان توفير الماء الصالح للشرب لمختلف الأقاليم، سواء في الحواضر أو القرى.
ودعا إلى أن تشمل الاستراتيجية توجيه المياه بشكل مدروس نحو زراعة المحاصيل الأساسية التي تحقق الأمن الغذائي بالبلاد.
وبحسب أقشباب: « هناك حاجة ملحة إلى تعزيز البنية التحتية المائية، عبر تشييد سدود لتجميع مياه الفيضانات وتخزينها، بما يسمح بتحويل هذه الوفرة المائية الظرفية إلى احتياطي استراتيجي يمكن الرجوع إليه خلال فترات الجفاف ».
ولفت إلى أن « الاستثمار في هذا النوع من المنشآت لا يندرج فقط ضمن منطق التخزين، بل يشكل ركيزة أساسية في سياسة الاستباق والتكيف مع التقلبات المناخية، ويُسهم في تحقيق الأمن المائي والاستقرار التنموي على المدى المتوسط والبعيد ».
وفي كلمته أمام البرلمان، كشف الوزير بركة أن الأمطار الأخيرة رفعت نسبة ملء السدود إلى 46 بالمئة، مقارنة بـ28 بالمئة خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.
وأكد أن العديد من السدود امتلأت بنسبة 100 بالمئة، ما يعني أن البلاد « ربحت مخزون سنة كاملة من الماء الصالح للشرب »، وهو ما يشكل وقعا إيجابيا على الأمن المائي.
ولفت بركة إلى تسجيل تساقطات ثلجية استثنائية بهذا الشتاء، حيث غطت الثلوج مساحة تجاوزت 55 ألف كيلومتر مربع.
وشهدت عدة مدن خلال دجنبر 2025، هطول أمطار غزيرة وتساقط كثيف للثلوج، بينما تستمر الأرصاد المغربية في نشر تحذيرات من منخفض جوي يستمر لأيام ويتخلله تساقط أمطار وثلوج ورياح بعدد من مناطق المملكة.