بعد أيام من الصمت الثقيل الذي خيّم على أروقة المحاكم، عادت الحياة لتدبّ من جديد في مفاصل العدالة بالمملكة. القاعات التي ظلت موصدة إلا من ملفات مؤجلة وقلق متراكم، استعادت نبضها، وعاد المحامون إلى مقاعدهم، تتقدّمهم بذلاتهم السوداء كرمزٍ لهيبة المهنة ورسالتها.
لم يكن التوقف الذي شهدته المحاكم حدثاً عابراً في سجل الممارسة المهنية، بل كان تعبيراً صريحاً عن احتقان عميق داخل الجسم المهني للمحامين، الذين خاضوا إضراباً احتجاجاً على مشروع قانون المهنة بصيغته المقترحة. لقد تحوّل الإضراب إلى محطة مفصلية كشفت عن حجم التوتر بين تصورات السلطة التنفيذية للإصلاح، ورؤية أهل المهنة لخصوصيتها واستقلاليتها.
اليوم، ومع استئناف العمل، بدت المحاكم أكثر من مجرد فضاءات لإدارة النزاعات؛ بدت مسرحاً لعودة التوازن بين منطق الاحتجاج ومنطق المؤسسات. انعقدت الجلسات المؤجلة، وازدانت الممرات بحركية لافتة، في مشهد يعكس رغبة جماعية في تجاوز مرحلة الشدّ والجذب. غير أن هذه العودة لم تكن تراجعاً عن الموقف، بل ثمرة تصعيد مهني منظم أفضى إلى استجابة حكومية تمثلت في وقف إحالة مشروع القانون على البرلمان بصيغته السابقة.
عدد من المحامين اعتبروا أن ما تحقق ليس نهاية المطاف، بل بداية مسار تفاوضي جديد، يُفترض أن يُبنى على مقاربة تشاركية تضمن تحديث المهنة دون المساس بجوهر استقلالها. فالمحاماة، في بعدها الرمزي والوظيفي، ليست مجرد نشاط تقني داخل منظومة العدالة، بل هي ركيزة من ركائز دولة القانون، وصوتٌ للدفاع عن الحقوق والحريات.
من هذا المنظور، فإن عودة المحاكم إلى الاشتغال لا تعني طيّ صفحة الخلاف، بل فتحها على أفق أوسع من الحوار. فالرهان الحقيقي لا يكمن في إنهاء الإضراب فحسب، بل في صياغة قانون مهني يعكس توازناً دقيقاً بين ضرورات الإصلاح وضمانات الاستقلال، وبين تحديث الهياكل وصون التقاليد الراسخة.
لقد أثبتت هذه المرحلة أن المهنة قادرة على التعبئة حين يتعلق الأمر بهويتها ومستقبلها، كما أظهرت أن الحوار، مهما تأخر، يظل السبيل الأمثل لتدبير الاختلاف داخل دولة المؤسسات. وبين الأمس واليوم، تظل العدالة بحاجة إلى جميع مكوناتها، متماسكة ومتعاونة، حتى تؤدي رسالتها في خدمة المجتمع وصيانة الحقوق.