أراء وأفكار وتحليل

عنفٌ أعمى يقتلع الكرامة حين يُستهدف مدير مدرسة في جسده ورسالته

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

مرة أخرى، يجد الرأي العام نفسه أمام واقعة صادمة تعرّي عمق التدهور القيمي الذي بات ينخر المجتمع، وتدق ناقوس الخطر بشأن سلامة نساء ورجال التعليم، وهم يؤدون رسالة يفترض أنها محصنة بالاحترام لا محاطة بالحجارة والعنف.

 

الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بطنجة، والقاضي بإدانة شاب بخمس سنوات سجناً نافذاً، ليس مجرد قرار قضائي عابر، بل صرخة عدالة في وجه التسيب والاستخفاف بهيبة المدرسة العمومية.

القضية، في جوهرها، ليست شجاراً عرضياً كما حاول المتهم ترويجه، ولا “تدخلاً بريئاً” انتهى بسوء حظ. نحن أمام اعتداء خطير استهدف مدير مؤسسة تعليمية، وانتهى بعاهة مستديمة مست جسده وكرامته في أكثر أعضائه حساسية، بعد أن فقد إحدى خصيتيه جراء رشق بالحجارة. إنها جريمة مكتملة الأركان، جسدياً وأخلاقياً، لا تقبل التخفيف ولا التبرير.

ما وقع بضواحي طنجة يعكس صورة قاتمة عن واقع بات فيه رجل التعليم هدفاً سهلاً للتهديد والاعتداء، داخل محيط يفترض أن يكون آمناً، وتحت أنظار مجتمع اعتاد، للأسف، سماع أخبار العنف ضد المدرسة دون أن يتحرك بالقدر المطلوب. أن يُصاب مدير مؤسسة بعاهة مستديمة بسبب قيامه بواجبه، فذلك ليس فقط اعتداءً على شخصه، بل إهانة صريحة للمدرسة العمومية وللدولة نفسها.

 

المحكمة، وهي تدين المتهم وتعوض الضحية بمبلغ 150 ألف درهم، وتقر تعويضاً إضافياً لفائدة الأكاديمية الجهوية والمديرية الإقليمية، بعثت برسالة واضحة: كرامة رجال ونساء التعليم خط أحمر، والاعتداء عليهم لن يمر دون حساب. كما أن اعتمادها على الخبرة الطبية والقرائن الميدانية، ورفضها لدفوع التملص والإنكار، يعكس جدية في التعاطي مع هذا النوع من الجرائم التي تهدد السلم المدرسي والاجتماعي.

غير أن الأحكام، مهما كانت صارمة، لا تكفي وحدها. ما نحتاجه اليوم هو سياسة حازمة وشاملة لحماية الأطر التربوية، تبدأ من تشديد العقوبات، ولا تنتهي عند تعزيز الأمن بمحيط المؤسسات التعليمية، مروراً بإعادة الاعتبار لهيبة المدرسة، وترسيخ ثقافة الاحترام داخل المجتمع.

إن الصمت عن العنف ضد رجال التعليم هو تواطؤ غير معلن، والتساهل معه جريمة ثانية. وما لم يُفهم أن المساس بالأستاذ أو المدير هو مساس بمستقبل أبنائنا، فإن مثل هذه الوقائع ستظل تتكرر، أكثر قسوة وأشد إيلاماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى