عزيز رباح/التحدي الإفريقي
في زمن تختلط فيه الانفعالات بالتحريض، وتُختزل فيه الدول في نتائج عابرة، يثبت المغرب مرة أخرى أنه حضارة راسخة ودولة وازنة، لا تقيس نجاحها بمباراة، ولا تنجرّ خلف الاستفزاز، بل تمضي بثبات في ترسيخ القيم، وبناء المكانة، وصون عمقها الإفريقي والإنساني.
في البداية، أودّ أن أتقدّم بكل الشكر والامتنان إلى المنتخب الوطني على ما قدّموه في هذه البطولة الإفريقية. فلا لوم على أي عضو من المنتخب، وخاصة إبراهيم دياز، فكثير من الكبار يتعثّرون ثم ينهضون بعزم أكبر وتميّز أقوى.
وإذا كان من عتاب فهو من أجل التقييم والتقويم من أجل الأفضل الذي يستحقه الوطن. وسيكون في جو الهدوء لنا إسهاما في التقييم والاقتراح لننتقل بالرياضة كلها، وليس فقط كرة القدم، من لحظات وبرامج للمنافسة والجوائز إلى قطاع مندمج ومتكامل الأركان وأحد مفاتيح التنمية العادلة بحكامة جيدة.
نعم، خسرنا الكأس، مع الأسف، لأسباب متعددة تحتاج إلى تقييم وتقويم، والآتي سيكون أفضل إن شاء الله. وربَّ خسارةٍ ضارّةٍ نافعة، ومنبِّهة.
لكننا ربحنا في كل شيء وبكل شيء: تنظيمًا، وكرمًا، وأخلاقًا، وإشعاعًا، وتلاحمًا، وترسيخًا لقيم ومعاني الانتماء للوطن.
وقد وفَتِ المملكة بكل التزاماتها مع الجميع دون استثناء، بل وزادت أكثر مما هو مطلوب، بحيث تجاوزنا المعايير المعتمدة في مثل هذه المنافسات. كما أعطى الشعب دروسًا في كل شيء، ومع الجميع، دون استثناء.
نعم، كنا نُمنّي النفس بالكأس التي انتظرناها لنصف قرن، لكن قدَرَ الله وما شاء فعل، ولعلّ في ذلك خيرًا كبيرًا.
لقد تعرّضت المملكة لحملة منظَّمة من قوى خفية وظاهرة، وتعرّضت لاستفزاز قلّ نظيره، ولبخسٍ حتى من بعض الأصدقاء، قبل بداية البطولة، بل منذ قرار تنظيم كأس العالم 2030.
وتعدّدت المناورات منذ اليوم الأول من بعض المتربّصين من دول معادية للمملكة، وحتى من البعض (وأقول البعض) داخل دول شقيقة وصديقة، تسلّل إلى منتخباتها وإعلامها وجمهورها بعض المتآمرين والمحرّضين.
لكن يجب ألّا نعمّم على الجميع، فعلاقات المملكة الحضارية والتاريخية والسياسية والدينية والاقتصادية مع عمقنا الإفريقي أكبر من منافسة رياضية، وأكبر من هذا «البعض المندس» الذي قد يكون مسخّرًا ومشاركًا في مؤامرة لإفساد هذه العلاقات التي تترسّخ ملكًا بعد ملك وجيلًا بعد جيل.
وإنني أحذّر من الذين ينشرون شعارات ودعوات القطيعة بين المملكة ودول إفريقيا، وينغمسون في التحريض، فبعضهم قد لا تكون نيّته صالحة، حتى لو ادّعى التعاطف معنا.
فـ«المغرب لم يكن ضد إفريقيا»، ولا أن «إفريقيا لا تستحق المغرب»، كما قال ويُروّج بعض الإعلاميين والمدرّبين والرياضيين، الذين يُظهرون التعاطف مع المملكة لكنهم يضعون السمّ في العسل. فهناك قوى غربية، وخاصة أوروبية وفرنسية، تريد محاصرة المملكة في إفريقيا، وتدّعي التعاطف معنا، لكنها تصبّ الزيت على النار.
وإفريقيا ليست مستنقعًا، ولا شعوبها ضفادع، كما روّج أحدهم من المشرق وتبعه كثيرون منا بانفعال. وإنني أشمّ رائحة العنصرية والتحريض في ذلك، بنيّة سيئة من أولئك الذين يُشعلون الفتن في وبين الدول الإسلامية والعربية والإفريقية، أولئك الذين يصطادون في المياه العادمة والمستنقعات العفنة.
بل إفريقيا بحر من العطاء، والشراكة، والتعاون، والأخوّة، والإشعاع، تخوضه المملكة بمنطق الدولة وإمارة المؤمنين، لا بمشاعر المدرّجات ولا بغضب اللحظات، مهما كانت قاسية، ومهما كان فيها من الظلم.
فالمملكة التي دافعت وتدافع عن إفريقيا في كل المحافل، وصبرت وتصبر على تجاوزات كثير منها في أصعب الفترات وفي أكبر القضايا، كوحدتنا الوطنية، لن تنجرّ وراء موجات القدح في إفريقيا ودعوات القطيعة بسبب مسابقة رياضية، مهما كانت قيمتها.
وحتى إن غضبنا على أسرتنا التي نعتز بالانتماء إليها، فلا نهجرها ونسلمها لمن لا يريد بها خيرًا. وحتى إن كان فيها بعض المسخوط عليهم، فلن نقاطع المرضى عليهم وما أكثرهم. “ولا تزروا وزر وازرة أخرى”.
ولنتذكّر أن في تلك الدول القليلة التي تعاند المملكة في مصالحها وقضاياها الكبرى، وفي أوساط تلك المنتخبات التي أساء بعضُها إلينا، هناك كثيرون في مواقع متعددة ومؤثرة يتعاطفون مع المملكة ويدافعون عنها، جهرًا أحيانًا وسرًّا أحيانًا أخرى.
لأن «المغرب اسم كبير»، كما قال العالم والفقيه سعيد الكميلي، ودولة عظيمة بتاريخها وصعودها الراهن، وتتقن كيف تواجه قروش البحار في الوقت المناسب، وخاصة بحر إفريقيا الفيّاض بالخير، ولو كان فيه بعض الشرّ المنتور من الأعداء والخصوم.
وقد شهد العالم، ويشهد، كيف نُطفئ الفتنة في مهدها، ونحاصر المتآمرين في جحورهم، ونردّ كيدهم في نحورهم، ونختار الوقت المناسب للحساب، ونعزل المتربّصين في ضيقهم، ونحوّل تدبيرهم إلى تدمير لخططهم.
نتعثّر لكن لا نتوقّف. نخسر لكن لا نيأس. نغضب لكن لا نسقط. نحتجّ لكن لا نلعن. نُسامح لكن لا نغفل. نردّ لكن لا نتسرّع.
فقد شهد العالم ذلك الإنجاز الكبير، والتميّز الراسخ، والتحضّر المتجذّر الذي لا يملك منه الخصوم حبّة من خردل.
فهنيئًا لدولتنا؛ فقد فزنا بتلاحم الشعب، وترسيخ الانتماء، وإشعاع المملكة، وتعاطف الأصدقاء، واحترام العالم، ورسوخ القيم والأخلاق، ولو تأجّل الفوز بالكأس إلى حين.
ستتنوع الاستحقاقات والمنافسات في كل المجالات، وستشتدّ الاستفزازات والمناورات، لكننا سنستمرّ في التميّز والصعود، ولن نحيد عن الهدف الأسمى: مملكة شريفة بدولة صاعدة بسرعة، موحَّدة، من أجل الإنسان والعمران.