أراء وأفكار وتحليل

حين تتحول الفرحة الكروية إلى فرصة للابتزاز: مقاهٍ تلهب جيوب المواطنين

 

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

فوجئ عدد كبير من رواد المقاهي بمدينة العيون، كما في مدن مغربية أخرى، بزيادات وُصفت بالصارخة في تسعيرة المشروبات، تزامناً مع تقدم المنتخب المغربي في منافسات “كان المغرب 2025”. زيادات لم تراعِ القدرة الشرائية للمواطن، ولا الظرفية الاقتصادية الصعبة، بقدر ما كشفت عن منطق جشعٍ استغل لحظة فرح جماعي لتحويلها إلى فرصة للربح السريع.

ففي مدينة العيون، التي اعتاد فيها المستهلك أداء 12 درهماً مقابل فنجان قهوة، وجد نفسه مطالباً بدفع ما بين 20 و40 درهماً للمشروب الواحد، خاصة قبيل مباراة نصف النهائي. الأمر لم يقتصر على الأقاليم الجنوبية، إذ سُجلت زيادات مماثلة في الرباط والدار البيضاء وأكادير، حيث قفزت الأسعار في بعض المقاهي من 20 إلى 50 درهماً، دون أي سند قانوني أو تبرير اقتصادي واضح.

حماة المستهلك يرون أن هذه الظاهرة لم تعد معزولة، بل باتت تشمل “نسبة مهمة من المقاهي المغربية”، التي تستغل غياب المراقبة الصارمة، وضعف تفعيل القوانين المنظمة للأسعار، لفرض تسعيرات مزاجية، تختلف حسب المناسبة والضغط الجماهيري، لا حسب الكلفة الحقيقية للخدمة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الزيادات تأتي في سياق اجتماعي هش، يتسم بارتفاع معدلات البطالة، وقلة فرص الشغل، خاصة في صفوف الشباب.

شباب أفنى سنوات عمره بين المعاهد والجامعات، ليصطدم في النهاية بواقع مرير: غلاء متواصل في الأسعار، ندرة في فرص العمل، تراجع في جودة الخدمات الصحية، وضعف في منظومة التعليم، وبنية تحتية تعاني الإهمال في مقابل استثمارات ضخمة وُجهت إلى منشآت رياضية.

المقاهي، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى ملاذ يومي لشريحة واسعة من الشباب العاطل أو شبه العاطل، لم تعد مجرد فضاءات للترفيه أو متابعة المباريات، بل صارت رمزاً لتناقض صارخ: شباب محاصر بالفراغ واليأس، ومقاولون صغار يختارون تعويض اختلالات السوق على حساب المستهلك البسيط.

إن ربط الأسعار بنتائج المنتخب الوطني لا يمكن اعتباره سوى استغلالاً مرفوضاً لروح الوطنية والفرح الشعبي. فالوطنية لا تُقاس بعدد الدراهم المضافة إلى فاتورة القهوة، ولا تُترجم بإثقال كاهل المواطن في لحظة يفترض أن تكون مناسبة للالتفاف الجماعي لا للاحتقان.

أمام هذا الوضع، تبرز ضرورة تدخل الجهات المعنية، من سلطات محلية ومصالح المراقبة، لتفعيل القوانين، وضبط التسعيرات، وحماية المستهلك من هذا العبث. فاستمرار الصمت لا يعني سوى تكريس منطق الفوضى، وتعميق فقدان الثقة بين المواطن ومحيطه الاقتصادي، في زمن لم يعد يحتمل المزيد من الضغط على أعصاب وكرامة الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى