أراء وأفكار وتحليل

حينما تتوحّد الطقوس وتتجاوز القيم الحدود

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

في عالم كرة القدم، حيث تُقاس النجاحات بالألقاب والنقاط، تبرز أحيانًا حكايات إنسانية أعمق من نتائج المباريات، حكايات تُعيد تعريف الانتصار بوصفه تجربة روحية وأخلاقية. واحدة من هذه الحكايات يرويها المدرب البرازيلي الشهير جورفان فييرا، المدرب السابق لنادي الزمالك، الذي تحوّلت مسيرته المهنية في الملاعب العربية إلى رحلة تأمل قادته إلى اعتناق الإسلام عن اقتناع تام.

 

فييرا، الذي درّب أندية ومنتخبات عربية عدة، من بينها الجيش الملكي والوداد واتحاد طنجة في المغرب، والقادسية ومنتخب الكويت للشباب، ومنتخب عُمان الأولمبي، ومنتخب العراق، واتحاد كلباء في الإمارات، إلى جانب الإسماعيلي وسموحة والزمالك في مصر، يؤكد أن تجربته لم تكن مجرد انتقال بين محطات تدريبية، بل كانت احتكاكًا يوميًا بثقافة واحدة تتكرر تفاصيلها في كل مكان.

 

المدرب البرازيلي يلفت النظر إلى نقطة بدت له شديدة الدلالة: وحدة الطقوس الإسلامية أينما حلّ. فالصلاة واحدة، والوضوء واحد، والقرآن كتاب واحد، لا يختلف من بلد إلى آخر، ولا من ثقافة إلى أخرى. هذا الثبات، كما يروي، كان مثار دهشته، خاصة حين قارن ذلك بما شاهده في رحلاته الأوروبية، حيث تتعدد النسخ والطقوس داخل الديانة الواحدة.

 

لكن ما شدّ فييرا أكثر من الطقوس، هو السلوك اليومي للاعبين الذين عمل معهم. يؤكد أنه لم يتعرض يومًا لأي محاولة لفرض العقيدة عليه، ولم يسمع خطابًا مباشرًا يدعوه إلى تغيير دينه. على العكس، كان الاحترام المتبادل والأدب في التعامل والالتزام الأخلاقي هي اللغة السائدة. تلك القدوة الصامتة، كما يقول، كانت أبلغ من أي خطاب دعوي.

 

في مصر، حيث قضى عامين مع الزمالك، لاحظ فييرا أن العلاقة الإنسانية داخل غرف الملابس تقوم على التقدير والقبول، بعيدًا عن أي حساسيات دينية. اللاعب المصري، كما اللاعب العربي عمومًا، قدّم نموذجًا بسيطًا لمسلم يمارس عبادته دون استعراض، ويحترم الآخر دون شروط.

 

هذه التجربة التراكمية انتهت بقرار شخصي حاسم: الدخول في الإسلام عن قناعة. وكانت أولى خطواته الروحية أداء العمرة، فيما يخطط لخطوة رمزية أخرى عند عودته إلى بلاده البرازيل، بشراء أرض وبناء مسجد، تعبيرًا عن الامتنان لما يعتبره نعمة كبرى.

 

قصة جورفان فييرا تذكير بأن كرة القدم، رغم صخبها، قادرة على أن تكون جسرًا بين الثقافات، وأن القيم حين تُمارَس بصدق، قد تغيّر القناعات، وتفتح أبوابًا لا تفتحها الكلمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى