تلاميذ من المغرب العميق يُلقّنون الكبار درساً في الكرامة

 

 

بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي

في وقتٍ تراجعت فيه قيم التضامن، خرجت من إحدى مناطق المغرب العميق مبادرة إنسانية صغيرة في حجمها… كبيرة في معناها. مجموعة من التلاميذ، بقلوب أكبر من أعمارهم، قرروا أن يحوّلوا شهر رمضان من مجرد صيام عن الطعام إلى فعل حقيقي للكرم.

كل تلميذ حمل معه ما استطاع: كيس طحين، قنينة زيت، سكر، أو مواد غذائية أخرى. لم تكن الكميات ضخمة، ولم تكن هناك كاميرات ولا شعارات رنانة. فقط نية صادقة.

ثم اجتمعوا ليقدموا تلك المواد لخادمات النظافة بالمؤسسة التعليمية، أولئك الذين يعملون بصمت، ويغادرون في صمت، وغالباً ما يُنسَون في زحمة اليوم الدراسي.

المشهد لم يكن عادياً. تلاميذ يكرّمون من ينظفون فضاءهم كل صباح، صغار يعيدون الاعتبار لمعنى الاعتراف. في زمن أصبح فيه البعض ينتظر المبادرات من المؤسسات الكبرى، أو من رجال الأعمال، جاء الرد من أقسام دراسية متواضعة: التربية ليست دروساً تُحفظ، بل سلوك يُمارَس.

هذه المبادرة ليست مجرد قفة رمضانية، بل رسالة واضحة: ما زالت مدارسنا تنجب جيلاً يعرف قيمة “شكراً”، ويؤمن أن الكرامة لا ترتبط بالمناصب، بل بالإنسان.

هي أيضاً صفعة صامتة لكل من يعتقد أن المغرب العميق لا يُنتج إلا الأرقام الهامشية، بينما الحقيقة أنه يُنتج قيماً حقيقية.

 

رمضان ليس موسماً للاستهلاك فقط، بل امتحاناً للضمير. وهؤلاء التلاميذ نجحوا فيه بامتياز. ربما لا يملكون الكثير… لكنهم يملكون ما هو أثمن: تربية صنعت منهم مواطنين قبل أن تصنع منهم تلاميذ.

 

وفي زمن نحتاج فيه إلى نماذج مضيئة، يكفي أن ننصت جيداً… أحياناً الدروس الكبيرة تأتي من حقائب مدرسية صغيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى