عدتُ إلى السمارة بعد غيابٍ طال أكثر مما ينبغي، ثم عدتُ قبل ذلك مرةً أخرى، لكنني لم أُحسن البقاء.
كأن هذه المدينة لا تُزار على عجل، أو كأنني أنا من فقد القدرة على الإقامة في حضنها دون ارتباك. لم أسألها: كيف حالكِ؟ بل سألت نفسي بصمتٍ ثقيل: هل ما زلت أنتمي لما أراه، أم أن الانتماء نفسه تغيّر؟
في الشارع الكبير كانت قدماي تمشيان وحدهما، كأن الطريق يعرفني لكنه لا يرغب في استدعاء ذاكرتي.
شارع العمالة مرّ بي صامتًا، بلا عتاب ولا ترحيب، وكأن المدن حين تطول الغيبة عنها، تتقن فن التجاهل.
في حي الطنطان البيوت ما زالت في أماكنها، الجدران ذاتها، النوافذ نفسها، لكن الأصدقاء غابوا عن المشهد؛ بعضهم بدّلته الحياة، والبعض أخذته الطرق بعيدًا، وبعضهم استقرّ في الذاكرة ولم يعد صالحًا للحضور.
مررتُ بحي المسيرة وحي الحجري أبحث عن وجهي القديم بين الوجوه الجديدة، فعرفت متأخرًا أن الغياب لا يغيّر المدن بقدر ما يغيّر العائدين لها.
نحن من نعود مختلفين، نحمل أعمارًا إضافية وأسئلة أكثر، بينما المدن تكتفي بتبديل تفاصيل صغيرة وتترك الجوهر كما هو.
حتى المرشي الصغير والمرشي الكبير، نفس الضجيج، نفس النداءات، نفس الوجوه المستعجلة، لكن قلبي كان أسرع من المكان، كأنه يعلم مسبقًا أن المقام لن يطول، وأن العودة هذه المرة أيضًا محكومة بالمؤقت.
كأن الغياب يعلّم القلب أن لا يطمئن كثيرًا، وأن يظلّ جاهزًا للرحيل.
السمارة ما زالت مدينتي، ولم أفقد حقّ قول ذلك، لكنني صرت أعود إليها كعابر، أحمل حنينًا أكبر من قدرتي على البقاء. أدركت أن أقسى ما يفعله الغياب بنا، أنه يجعل الرجوع مؤقتًا، والانتماء معلّقًا، والرحيل أسهل من القرار.
ومع ذلك… ستبقى السمارة مدينتي المحبوبة، مهما طال الغياب، ومهما تغيّرت ملامحي. we love smara.