أراء وأفكار وتحليل
بين الجينات والسياسة: حين يطلب القضاء من الحمض النووي أن يحسم ما تعجز عنه الدبلوماسية

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي
في عالمٍ اعتاد المفاجآت السياسية، يبدو أن الخيال الشعبي قرر أن يزاحم الواقع مرة أخرى، وهذه المرة عبر قاعة محكمة في أنقرة لا عبر منصة انتخابية في واشنطن.
فامرأة تركية تُدعى نجلاء أوزمن، في منتصف عقدها السادس، وجدت أن الطريق الأقصر إلى الحقيقة وربما إلى الشهرة تمر عبر دعوى إثبات نسب تتجه بوصلة الاتهام فيها نحو الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
القصة،
كما روتها وسائل إعلام تركية، تبدأ باعتراف متأخر. تقول أوزمن إن والدتها أفصحت قبل وفاتها عام 2017 عن سر ثقيل: الأب البيولوجي ليس سوى ترمب، وإن امرأة أميركية تُدعى صوفيا أنجبت الطفلة نتيجة علاقة غير شرعية ثم سلّمتها لأسرة أخرى لتربيتها.
رواية تصلح لسيناريو درامي طويل، لكنها وجدت نفسها مختصرة في أوراق قانونية تطالب بفحص الحمض النووي DNA كحَكَمٍ نهائي بين الدم والسياسة.
المحكمة الابتدائية في أنقرة، على ما يبدو، لم تتحمس للفكرة. رفضت الطلب، ربما لأن القضاء، حتى في أكثر أنظمته جرأة، لا يُدار بالظنون ولا بالشبه الجسدي. غير أن أوزمن لم تيأس، فاستأنفت القرار، ووسّعت نطاق المسعى بإرسال عرائض إلى السفارة الأميركية ومحاكم في الولايات المتحدة، وكأنها تقول إن العدالة لا تعترف بالحدود الجغرافية.
اللافت في خطاب السيدة أنها تحرص على نفي نية الاتهام.
فهي بحسب قولها لا تسعى لتجريم ترمب، بل “لمعرفة الحقيقة” فقط، وتطلب لقاءً وجهاً لوجه مع الرجل الذي تعتقد أن ملامحه وملامح بعض أبنائه تتقاطع مع ملامحها. هنا يتحول الشبه من حجة شعبية إلى دليل نفسي، ومن قناعة شخصية إلى مسوّغ قانوني، في انتقال يثير اهتمام علماء الاجتماع أكثر مما يطمئن القضاة.
ساخرياً، يمكن القول إن فحص DNA بات في هذا العصر أداة دبلوماسية بديلة: حين تفشل المراسلات الرسمية، تُستدعى المختبرات. لكن أكاديمياً، تظل القضية مثالاً على التوتر الدائم بين السرد الشخصي ومتطلبات الإثبات القانوني. فالقضاء لا يحاكم القصص، بل الأدلة، ولا يختبر المشاعر، بل الوقائع القابلة للقياس.



