أراء وأفكار وتحليل

بين الإعفاء الطبي وغياب الإنصاف الإداري: معاناة صامتة لأساتذة أرهقهم المرض

بقلم: سيداتي بيدا/ التحدي الإفريقي

تعيش فئة من نساء ورجال التعليم، ممن اضطروا تحت وطأة ظروف صحية قاسية إلى مغادرة حجرات الدراسة والانتقال إلى العمل الإداري، وضعًا مقلقًا يكشف عن اختلالات عميقة في تدبير الموارد البشرية داخل المنظومة التربوية.

فهؤلاء الأساتذة، الذين لم يغادروا القسم اختيارًا بل استجابة لتقارير لجان طبية مختصة، يجدون أنفسهم اليوم في منطقة رمادية يغيب عنها التأطير القانوني والتنظيمي الواضح، وتُترك فيها حقوقهم وواجباتهم رهينة لتأويلات إدارية متباينة، وأحيانًا متناقضة.

إن الإعفاء من التدريس، في جوهره، إجراء وقائي وإنساني يهدف إلى حماية صحة الأستاذ وضمان استمرارية أدائه المهني دون تعريضه لإجهاد بدني أو نفسي قد يفاقم وضعه الصحي.

غير أن الممارسة الواقعية تُفرغ هذا الإجراء من مضمونه، حين يُكلف الأستاذ المعفى طبيًا بمهام إدارية مرهقة، أو بساعات عمل لا تقل ضغطًا عن التدريس، في تناقض صارخ مع الغاية التي من أجلها أُقر الإعفاء.

وتزداد حدة هذا الوضع في ظل غياب إطار مرجعي وطني يحدد بدقة طبيعة المهام الإدارية المناسبة لهذه الفئة، وحدود التكليف، وضمانات الحماية الصحية والمهنية.

هذا الفراغ التنظيمي لا يفتح فقط باب الاجتهاد الإداري، بل يُنتج أيضًا ممارسات تمس كرامة الأستاذ، وتتعامل مع وضعه الصحي باعتباره عبئًا بدل كونه معطًى إنسانيًا يستوجب الرعاية والتقدير.

من منطلق الإيمان الراسخ بأن الحكامة الجيدة في تدبير الموارد البشرية تبدأ من مراعاة البعد الإنساني، يبرز مطلب فتح حوار جدي ومسؤول حول هذا الملف باعتباره ضرورة استعجالية لا تقبل التأجيل.

حوار يفضي إلى إصدار قرارات تنظيمية واضحة، تُنهي حالة الضبابية، وتضمن تكليف الأساتذة المعنيين بمهام تتلاءم مع أوضاعهم الصحية، مع استثمار خبرتهم التربوية الطويلة في مجالات نوعية تدعم المنظومة التعليمية دون إنهاك.

 

إن صون كرامة الأستاذ، خصوصًا حين يكون مثقلًا بالمرض، ليس امتيازًا ولا منّة، بل هو التزام أخلاقي ومؤسساتي.

وأي إصلاح تربوي يُغفل هذه الفئة، أو يتعامل معها بمنطق إداري صرف، يظل إصلاحًا منقوصًا، عاجزًا عن تحقيق العدالة المهنية والإنسانية التي تُعد أساسًا لأي منظومة تعليمية ناجحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى