المستجدات الإفريقية
المعاملة بالمثل أم إعادة تعريف السيادة؟ مالي وبوركينافاسو في مواجهة القيود الأمريكية

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي
في لحظة دولية تتشابك فيها اعتبارات الأمن بالسياسة، وتتصادم فيها مفاهيم السيادة مع منطق العولمة، برز موقف مالي وبوركينافاسو بوصفه رسالة سياسية ذات دلالات تتجاوز الإجراء ذاته. فبعد إدراجهما ـ وفق تقارير إعلامية ـ ضمن قائمة دول فُرضت على مواطنيها قيود على دخول الولايات المتحدة، أعلنت باماكو وواغادوغو قرارات تقضي بمنع دخول المواطنين الأمريكيين إلى أراضيهما، استنادًا إلى مبدأ “المعاملة بالمثل”.
قد يبدو القرار، للوهلة الأولى، رد فعل مباشرًا أو حتى رمزيًا، غير أن القراءة المتأنية تكشف عن خطاب سيادي جديد يتشكل في غرب إفريقيا، خطاب يسعى إلى إعادة التوازن في علاقات طالما اتسمت بعدم التكافؤ. فالدولتان، اللتان تمران بتحولات سياسية وأمنية عميقة، تحاولان تأكيد أن السيادة ليست شعارًا ظرفيًا، بل ممارسة عملية تشمل التحكم في الحدود، وصياغة السياسات الخارجية، والدفاع عن كرامة المواطن.
من الناحية الدبلوماسية، يحمل القرار رسائل متعددة الاتجاهات. فهو موجه أولًا إلى الداخل، لتكريس فكرة الدولة القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. وهو موجه ثانيًا إلى الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، للتأكيد على أن الإجراءات الأحادية الجانب لا تمر دون رد، حتى وإن كان الرد محسوبًا في لغته وأدواته.
كما يندرج هذا الموقف ضمن سياق أوسع من إعادة تموضع استراتيجي تشهده بعض دول الساحل، حيث تتنامى النزعة إلى تنويع الشراكات الدولية، والبحث عن نماذج تعاون تقوم على الندية والاحترام المتبادل. وفي هذا الإطار، لا يبدو قرار المعاملة بالمثل قطيعة دبلوماسية بقدر ما هو ورقة ضغط ناعمة، تهدف إلى فتح نقاش حول أسس العلاقات الثنائية ومعاييرها.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فالتصعيد المتبادل، حتى وإن كان قانونيًا، قد ينعكس على التعاون في ملفات حساسة مثل التنمية، ومكافحة الإرهاب، والمساعدات الإنسانية. لذلك، يظل الرهان الحقيقي في قدرة الأطراف المعنية على تحويل هذا التوتر الظرفي إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، عبر قنوات الحوار الدبلوماسي والمؤسساتي.



