الطاقة والماء

الأمن المائي من الهدر إلى الحكامة..  كيف نحمي قطرة الماء قبل فوات الأوان؟

 جرادة..بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي

في الوقت الذي تخصص فيه الدولة ميزانيات مالية ضخمة تقدر بالمليارات وتقنيات كبيرة لإنشاء محطات تحلية مياه البحر لمواجهة ندرة المياه، يبرز تحدٍّ لا يقل أهمية، يتمثل في الهدر الكبير للمياه العذبة التي مصدرها غزارة التساقطات والتي تضيع سنويًا في البحر دون تثمين أو استغلال .

هذا الواقع يدعونا إلى وقفة تقييم هادئة، هدفها ليس الاتهام، بل تصحيح المسار.

لا يبدو منطقيًا أن يظل بلد مهدد بالإجهاد المائي يترك 14 نهرًا تصب في المحيط الأطلسي و6 انهار اخرى تصب في البحر الأبيض المتوسط دون حلول فعالة للتخزين أو التحويل.

فالماء الذي يضيع اليوم مجانًا، نضطر غدًا إلى استرجاعه بتكلفة طاقية مرتفعة عبر التحلية، وهو خيار ضروري لكنه ليس بديلًا عن حسن تدبير الموارد الطبيعية المتاحة.

 

الأحداث التي عرفتها مدن مثل القصر الكبير، بسبب فيضانات نهر اللوكوس، أو آسفي بفعل واد الشعبة، تؤكد أن الإشكال لا يكمن في وفرة المياه، بل في غياب آليات ناجعة لتدبير الفائض.

كان بالإمكان تحويل هذه الكميات نحو مناطق الشرق والجنوب التي تعاني من الجفاف، بدل أن تتحول إلى خسائر مادية واجتماعية.

تفادي مثل هذه السيناريوهات يقتضي اعتماد رؤية استباقية للأمن المائي، تقوم على:

*ربط الأحواض المائية بشكل مدروس

*إنشاء قنوات لتوجيه مياه الفيضانات

*توسيع قدرات التخزين والسدود الصغرى

*إدماج الفيضانات ضمن التخطيط المائي لا اعتبارها مجرد طارئ

*صيانة السدود من تراكم الأوحال

فالتغيرات المناخية تعني الجفاف كما تعني الفيضانات، والتعامل مع أحدهما دون الآخر يُبقي المنظومة ناقصة.

إن كلفة الوقاية والاستثمار في البنية التحتية المائية تبقى أقل بكثير من كلفة العطش وما قد يرافقه من اضطرابات اجتماعية واقتصادية. لذلك، فإن الأمن المائي لا يبدأ من البحر، بل من حماية كل قطرة ماء عذب قبل أن تضيع في ملوحته.

حسن تدبير الماء اليوم أصبح ضرورة وطنية، ومسؤولية جماعية تفرض الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى حكامة مائية مستدامة، تحفظ وتؤمّن المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى