منذ ما يقارب سنتين، لا تزال مقبرة خط الرملة بمدينة العيون عنوانًا صامتًا لاختلال إداري صارخ، تُرجم إلى معاناة يومية لفئة واسعة من المواطنين، خصوصًا كبار السن والمرضى، الذين يجدون مشقة بالغة في الوصول إلى قبور ذويهم الراقدين في الجهة الشرقية من المقبرة. معاناة أعاد تسليط الضوء عليها المدون والمؤثر الاجتماعي محمد فاضل الساعدي، عبر صرخة متكررة لم تطلب المستحيل، بل دعت فقط إلى إحداث باب ثانٍ يُعيد الاعتبار للبعد الإنساني في تدبير هذا المرفق العمومي.
اللافت أن هذا المطلب البسيط تحوّل إلى ملف عالق، ليس بسبب غياب الإمكانيات، بل نتيجة ارتباك واضح في تحديد الجهة المخولة قانونًا باتخاذ القرار. فبين جماعة العيون ونظارة الأوقاف، تتجسد حالة نموذجية لازدواجية الاختصاص وتداخل المسؤوليات، حيث يضيع الحق بين مؤسستين، بينما يدفع المواطن الثمن.
مصادر محلية متطابقة أكدت أن صرخة الساعدي لقيت تفاعلًا واسعًا داخل المدينة، ودفعت عددًا من السكان إلى التفكير الجدي في إطلاق مبادرة مدنية لجمع توقيعات ورفع عريضة رسمية إلى والي جهة العيون الساقية الحمراء، باعتباره الجهة القادرة على كسر هذا الجمود الإداري، بحكم دوره التنسيقي بين مختلف المصالح والمؤسسات.
قانونيًا، تنص المادة 83 من القانون التنظيمي للجماعات على أن إحداث المقابر وصيانتها يدخلان ضمن اختصاصات مجلس الجماعة.
غير أن الإشكال يكمن في الغموض الذي يلف مفهوم “الصيانة”، خاصة بعد إغلاق المقبرة ومنع الدفن بها، حيث تنتقل مسؤولية التدبير بحسب الأعراف الإدارية إلى نظارة الأوقاف. هذا الفراغ التأويلي فتح الباب أمام تبادل غير معلن للمسؤولية، وأنتج واقعًا عبثيًا: مطلب إنساني واضح، دون جهة تتحمل قرار الاستجابة.
الأدهى من ذلك، أن الحديث هنا لا يتعلق بمشروع مكلف أو إجراء معقد، بل بفتح باب إضافي، يُخفف عن الناس عناء التنقل، ويصون كرامة الأحياء في زيارتهم، كما يحفظ حرمة الأموات الذين يرقدون في هذا الفضاء، الذي يحتضن رفات الآلاف من أبناء الصحراء وسكان العيون. مقبرة لها رمزيتها التاريخية، ويكفي أن أول من وُري الثرى بها في ستينيات القرن الماضي كان رجلًا يُدعى “الفاضل الساعدي”، في مفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام.
إن استمرار هذا الوضع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل غياب القرار ناتج عن تعقيد قانوني حقيقي، أم عن تهاون إداري يُفرغ مفهوم الخدمة العمومية من بعدها الإنساني؟ فالمقابر، كما الأحياء، جزء من المدينة، وخدمة المواطنين لا تنتهي عند الحياة، بل تمتد إلى ما بعدها.