قرار واحد من نواكشوط كان كافيًا ليقلب الطاولة تسقيف سعر لحم الإبل عند 2700 أوقية، أي حوالي 67 درهمًا فقط. رقم بسيط في ظاهره، لكنه صادم حين يوضع جنبًا إلى جنب مع واقع مدينة العيون، حيث يقف السعر عند 135 درهمًا للكيلوغرام ضعف ما يدفعه المواطن الموريتاني تقريبًا.
هنا، لا مجال للتبرير ولا مساحة للرماديات، الفارق ليس مجرد تكلفة نقل أو اختلاف في العرض والطلب، بل هوة عميقة تكشف خللًا واضحًا في منطق السوق وآليات ضبطه. كيف يُعقل أن تُضبط الأسعار في بلد مصدر، بينما تنفلت في سوق قريبة إلى هذا الحد؟ ومن المستفيد من هذا الارتفاع الصاروخي؟
الجواب الذي يتداوله الشارع أصبح أكثر جرأة: هناك من يربح من الفوضى، وهناك من يستفيد من غياب الصرامة. وبين هذا وذاك، يجد المواطن نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما دفع ثمن مبالغ فيه، أو التخلي عن مادة غذائية أساسية في المنطقة.
لكن هذه المرة، المعادلة بدأت تتغير. دعوات المقاطعة لم تعد مجرد منشورات عابرة، بل تحولت إلى سلوك استهلاكي ملموس، أدى إلى تراجع الاستهلاك بشكل ملحوظ خلال أيام قليلة. الرسالة كانت واضحة: حين تفشل السوق في تحقيق التوازن، يتدخل المستهلك لفرضه.
الأخطر في المشهد ليس فقط ارتفاع السعر، بل غياب تفسير مقنع له. فكلما صمتت الجهات المعنية، ارتفعت الشكوك، واتسعت دائرة الغضب. وفي زمن المعلومة المفتوحة، لم يعد من السهل إخفاء الفوارق أو تبريرها بخطابات تقليدية لم تعد تقنع أحدًا.
اليوم، لم يعد النقاش حول سعر لحم الإبل فقط، بل حول نموذج كامل لتدبير السوق: هل تُترك الأسعار لرحمة الوسطاء؟ أم يتم التدخل لحماية القدرة الشرائية؟ التجربة الموريتانية قدمت جوابًا مباشرًا، بينما لا تزال أسواق أخرى تترنح بين التردد والتأخر.
في النهاية، الحقيقة التي تفرض نفسها بقوة: السوق التي لا تُضبط بالقرارات الجريئة، ستُضبط بغضب المستهلكين… وعندها، تكون الكلفة أكبر على الجميع.