أراء وأفكار وتحليل

حين تنتصر الحكمة على ضجيج الكرة: نداء إلى الوعي المشترك بين الشعبين المغربي والجزائري

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

ليست الكرة، في جوهرها، سوى لعبةٍ ابتكرها الإنسان للفرح والتنافس الشريف، ولا ينبغي لها، تحت أي ظرف، أن تتحول إلى أداةٍ لتأجيج الخصومات أو تعميق الشقاق بين الشعوب، ولا سيما بين شعبين جارين جمعتهما الجغرافيا قبل التاريخ، ووحدتهما اللغة والدين، وتشابكت مصائرهما عبر قرون طويلة من العيش المشترك والنضال الواحد.

 

إن ما يبعث على الأسى حقًا ليس التنافس الرياضي في حد ذاته، بل محاولات توظيفه سياسيًا وإعلاميًا، وتحميله ما لا يحتمل من أوزار الخلافات المفتعلة، حتى يغدو وسيلة لإحياء العصبيات الضيقة وبث مشاعر الكراهية بين أبناء الأمة الواحدة. فالرياضة، التي يفترض أن تكون جسرًا للتقارب، تحوّلت في لحظات التوتر إلى ساحة إسقاطٍ رمزي لصراعات لا علاقة للجماهير بها ولا مصلحة لها في استمرارها.

 

ولعل من أكبر المآسي التي ابتلي بها عالمنا العربي والإسلامي تلك الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار، ثم تعاملنا معها، بوعي أو من دونه، وكأنها حقائق أزلية لا تقبل النقاش. هذه الحدود لم تكتفِ بتقسيم الأرض، بل تسللت آثارها إلى الوجدان، فزرعت الشك بدل الثقة، والفرقة بدل الأخوة، والتوجس بدل التعاون. ومع مرور الزمن، أصبحت سببًا مباشرًا في تغذية سرديات العداء، حتى بين شعوب يفترض أنها أقرب ما تكون إلى بعضها البعض.

 

إن الشعبين المغربي والجزائري، بما يحملانه من إرث حضاري وإنساني مشترك، أرفع شأنًا من أن تختزلهما مباراة كرة قدم، أو يستدرجهما خطاب انفعالي عابر. فالتاريخ يشهد على عمق الروابط بينهما، من التداخل الاجتماعي إلى وحدة المعاناة في مواجهة الاستعمار، ومن تشابه العادات والتقاليد إلى وحدة المرجعية الثقافية والدينية.

 

من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى خطاب عقلاني هادئ، يُعلي قيمة الإنسان، ويقدّم مصلحة الشعوب على حساب المزايدات السياسية والإعلامية.

 

خطاب يذكّر بأن الخلافات، مهما تعقّدت، لا تبرر التحريض ولا الإساءة، ولا تمنح الشرعية لتمزيق نسيج اجتماعي وإنساني ظل صامدًا رغم كل العواصف.

 

كل التحية والتقدير للشعب المغربي العظيم، وكل التحية والتقدير للشعب الجزائري العظيم؛ شعبان يستحقان مستقبلًا تسوده الحكمة والتكامل لا التنافر. أما دعاة الفتنة، فسيبقون عابرين، لأن ما يجمع الشعوب أعمق وأبقى من كل محاولات التفريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى